الخميس، 29 يناير 2026

عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء


عمر ياغي... فصل جديد للعرب مع الكيمياء



عندما حصل العالم عمر ياغي علي جائزة نوبل في الكيمياء عام ٢٠٢٥، أطل علي العالم بوجهه الطفولي ونظارته الطبية، لتسافر عبر وكالات الأنباء وشاشات الأخبار أنباء إنجاز تاريخي في مجال الكيمياء، خرج من المعامل والمختبرات والحيز الأكاديمي المختص، ليعلن عن نفسه أمام البشرية فيهبها الآمال والأحلام في غد أفضل، وأن شئنا الدقة والاختصار فقد ولد علم جديد اسمه"الكيمياء الشبكية"، وزارت الفرحة قلوب العرب... فرحة خامرها حيرة واضطراب في تحديد ماهية الدولة التي ينتمي لها ياغي الذي ولد في الأردن ١٩٦٥ لأبوين فلسطينيين هاجرا بعد نكبة ١٩٤٨،ثم سافر للولايات المتحدة في عمر الخامسة عشر، وفي ٢٠٢١ منح الجنسية السعودية، مما تسبب في حالة اختلاف أدي لخلاف بين العرب- كما هي العادة للأسف- لكن فرحتي الغامرة لم تتأثر، فكل ما يهمني أنه عربي ينتمي لثقافتي ويعرف لساني، وفوزه انتصار لكل العرب يمنحهم دفعة نحو أبواب المستقبل، وفي نفس الوقت يذكرهم بتاريخهم المجيد في العلوم ودورهم في صنع الحضارة الإنسانية، عندما كان العالم غارقاً في ظلمات العصور الوسطي.

عمر ياغي فصل جديد من قصة العرب مع الكيمياء التي عرفت في فترة ما بـ"صنعة جابر" نسبة إلي جابر بن حيان، المستحق لوصف الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس باكون" أول من علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء"، واستمر نبوغ العرب في الكيمياء في العصر الحديث، بينما كان القرن العشرين يطوي أوراقه ويرحل حصل العالم أحمد زويل علي نوبل للكيمياء عام ١٩٩٩،وبعد ٢٦ عاماً، يقتنصها ياغي بدأبه العلمي وكفاحه بين جدران الجامعة في الولايات المتحدة، حيث نشر قبل الجائزة أكثر من ٣٠٠بحث علمي، وحظيت أعماله بأكثر من ٢٥٠ألف استشهاد علمي.

ميلاد علم جديد أمر بستحق التأمل، وقصته حين تروي تلهم الملايين حول العالم، وبتأسيسه لعلم الكيمياء الشبكية منح ياغي رؤية جديدة ومبتكرة جعلتنا نري العالم من منظور جديد تماماً، وهي سمة الاكتشافات العظيمة والاختراعات المذهلة، فقد قرر ياغي أن يجعل الكيميائي يتوقف عن السعي لإيجاد المواد، ويبدأ في تصميمها بدلاً من بقاؤه تحت رحمة التفاعلات ، وأثبت أن ندرة المواد أو وفرتها ليس قانوناً علي البشر اتباعه، بل تكوين يمكن بنائه من الصفر وعبر عن ذلك لجنة نوبل في تقريرها بقولها أن منجز عمر ياغي بمثابة"تحولاً من كيمياء الاكتشاف إلي كيمياء البناء". 

الأطر الفلزية العضوية MOFsالتي ابتكرها ياغي أشبه بإسفنجات متناهية الصغر بإمكانها تغيير واقعنا، فهي عبارة عن هياكل صغيرة جداً، وفيها مسام عديدة ومساحة سطح داخلية ضخمة للغاية بالنسبة للجزيئات، تتميز بروابط كيميائية قوية، مثل بناء من قطع الليجو لكن علي مستوي مجهري، ومثال آخر لتقريب الفكرة أكثر يمكن اعتبارها بناء معماري علي مستوي الذرة لهندسة الفراغ، أي غرفة ذرية لتخزين المياه والغازات كالهيدورجين وقود المستقبل، وتخزينه يمثل عقبة لأنه غاز خفيف للغاية من الصعب ضغطته أو تسييله، وثاني أكسيد الكربون لتنقية الهواء، وفي مسيرة مكافحة الإنسان للمرض الخبيث، فالمسامات النانوية داخل MOFsيمكنها حمل جزيئات الدواء، وتنقلها بدقة وأمان داخل الجسم، وتلك طريقة مثالية لتوصيل الأدوية المعالجة للسرطان، التي تستهدف الوصول إلي خلايا معينة دون التعامل مع الخلايا السليمة، وعندما تمت تجربة عقارات محمولة بالإطارات الفلزية مثل الدوكسوروبيسين، علي الحيوانات جاءت النتائج مبهرة، وكان تعليق العلماء" مركبات ذكية تعرف أين تذهب ومتي تعمل".

حين اقترحت فكرة مماثلة قبل عدة عقود رد العلماء "مستحيل" لاعتقادهم أن الروابط الكيميائية، سينتج عنها مواد لا بلورية في حالة فوضي وعدم استقرار، ولأن عمر ياغي رباه والده علي الاستقلال الفكري وإتقان العمل، استمر في تجاربه الناجحة في سبيل تحقيق المستحيل، حتي نجح عام ١٩٩٥ بإنتاج هياكل بلورية ، وكانت قفزة كبيرة في مشروعه العلمي، حيث استخدم روابط قوية لربط الأيونات المعدنية والموصلات العضوية، وذلك جعل الهياكل صلبة ومستقلة، ثم صنع وحدات بنائية خاصة أقامت هياكل قوية ومفرغة، تأكد العلماء من فراغها الداخلي عن طريق اختبار كمية الغاز التي يمكنها تخزينها عام ١٩٩٨.

أثبتت MOFs أنها مجرد بداية لعالم جديد يتشكل، تصبح فيه المادة تحت طاعة الإنسان يصوغها حسب حاجته، خاصة الشح المائي الذي يعاني منه ثلث سكان العالم، فلطالما كان نقص المياه وجعاً لم يبارح قلب عمر ياغي، منذ كان طفلاً يسكن مع والديه اللاجئين وأشقائه، في حجرة واحدة يتقاسمونها مع قطيع من الماشية، في منزل بلا كهرباء ولا تتوفر له الماء سوي ٤ساعات كل إسبوعين، فهو يعرف جيداً الأثر السلبي المريع لمجتمع يعاني من نقص المياه، ويحاول بكل طاقته تجنيب الأجيال المقبلة المعاناة التي مر بها كواحد من ملايين كانت المياه بالنسبة لهم حلماً، سبيله في ذلك العلم الذي ارتبط به منذ طفولته، حتي أن صورته الوحيدة التي التقطها في صغره يظهر وفي يده كتاباً، رفض أن يضعه جانباً ليلتقط صورة وظل ممسكاً به ويعلق علي ذلك" لقد حملته معي لأنني أدركت أن هذا هو أهم شئ سأفعله".

فاز ياغي بنوبل والعرب حصلوا علي حصة مستحقة وشحيحة من الأمل، ودافع جديد للعمل والانطلاق في ميادين العلم، أما العالم فقد تخطي عتبة جديدة وضعته علي آفاق علمية ستغير من مساراته للأبد، وربما عن قريب يحل اليوم السعيد الذي يحصل فيه كل العطاشي علي المياه من الهواء المحيط بهم، فتصير المياه متوفرة كالهواء، وأن تتخفف آلام مرضي السرطان بعدم الإضرار بخلاياهم السليمة أثناء العلاج، ويكتشف الإنسان جمال الطبيعة حين يقل ثاني أكسيد الكربون في الجو ونعتمد علي الهيدروجين  لإنتاج الطاقة النظيفة، ومئات الأحلام أراها الآن في طريقها للتحقيق...كل ذلك لأن هناك لاجئاً من حرب مدمرة لم يحظ ألا بقليل من التعليم، آمن بابنه وعلمه حرية التفكير، وأصر علي سفره لأمريكا رغم رفض الابن في البداية، وهذا الابن شق طريقه بذكاؤه ومهارته وجهده، ليتحول من الفتي الفقير الباحث عن المياه لأسرته، إلي نجماً لامعاً متوجاً علي عرش الكيمياء في ٢٠٢٥،وصانعاً لعالم جديد سيجعل فيه حياة الملايين حول العالم أكثر إنسانية وسعادة، وهذا الشخص فلسطيني+أردني+سعودي... ومع أني لم أحظ بنصيب عمر ياغي من العلم ولا سافرت لأمريكا لدراسة الكيمياء، لكن تلك المعادلة حلها سهل هو إذن عربي، هو إذن يشبهني، هو إذن يشرفني.

ليس ابتكار ياغي العلمي وحده هو ما يستحق التأمل والإعجاب، تجربته الحياتية أيضاً ملهمة، وأحاديثه تمتاز بالذكاء والتواضع، وربما أهم ما سمعته في الفترة الأخيرة قوله" بينما أتأمل رحلتي، أتذكر أن الحياة نادراً ما توفر ظروفاً مثالية، كثيراً ما نجد أنفسنا ننتظر اللحظة المناسبة، أو الموارد المناسبة، أو الظروف المناسبة لنبدأ السعي وراء أحلامنا، لكن هناك شئ واحد علمتني إياه الحياة، هو أن انتظار الظروف المثالية قد يعني في كثير من الأحيان الانتظار إلي الأبد، يكمن السر في أن تبدأ من حيث أنت وبأي شئ لديك، وأن تثق بأنه بالتفكير السليم ستتشكل الرحلة من تلقاء نفسها وأنت تمضي قدماً".تلك العبارات ليست من غث التنمية البشرية وأكوام هرائها المتناثر في كل مكان، ولا قالها أحد الفاشلين الذين لا هم لهم سوي إبداء النصائح للنجاح، إنما درس تعلمه أحد أهم علماء عصرنا، وطبقه علي نفسه فصعد من القاع للقمة، قد تبدو كلماته سهلة، ومع ذلك تنفيذها قد يستغرق عمراً بأكمله. 




الأربعاء، 28 يناير 2026

سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ

 


سندباد مصري يتجول بين شطآن التاريخ



حسين فوزي أحد أعلام الثقافة العربية في القرن العشرين، ولد وفي بدايته وتوفي عام ١٩٨٨،بمهارته كعالم بحار استطاع التجول بين شطآن التاريخ المصري وصيد لآلئه في كتابه"سندباد مصري"، تلك الأنشودة المنطلقة من قلب عاشق لوطنه، تختلف مع بعض رؤاه وآراؤه، لكنك لا تمتلك سوي الإعجاب بذلك العقل الكبير وتفكيره المنطقي المرتب في كل ما يكتب، وربما سر الكتابة يكمن في الإستجابات المتباينة وردود الفعل المختلفة للأفكار التي تحملها.

في ذلك الكتاب يسير حسين فوزي في موكب التاريخ بصورة عكسية، فقد قسمه لثلاث فصول: "الظلام" وفيه مظالم وآلام الشعب المصري تحت الحكم العثماني، بعدما غزا السلطان سليم الأول مصر عام ١٥١٧،مطيحاً بحكم المماليك وشانقاً سلطانهم الاخير طومان باي أمام باب زويلة، واستبداد باشاواته بالشعب، ثم حكم محمد علي باشا وتعسفه في الكثير من أحكامه، "الخيط الأبيض والخيط الأسود" حال الشعب أثناء العصور الفارسية واليونانية والعربية، وبداية الانفصال عن لغة وتراث مصر القديمة، "الضياء" عن بداية انبثاق فجر مصر المنير في عهد قدماء المصريين... يبدأ التدوين التاريخي من مرارة التسلط العثماني وينتهي بحضارة مصر المشرقة، غير عابئ كثيراً بالحكام، فالمتن الحقيقي هو الشعب الذي نسج حياته علي ضفاف النيل، منشئاً للمباني ومطوراً للصناعات وحارساً للثمار والزرع، قابضاً علي الحكمة التي علمها له تاريخه الطويل، علاقته بحكامه علي اختلاف جنسياتهم منذ الغزو الفارسي يلخصها في عبارة يجريها علي لسانه" لا أطلب منك إلا أن تجري في أحكامك بين الناس بالعدل، وأن ترعي شئونهم بالرفق: ثم افعل ما بدا لك بعد ذلك، مادمت تتركني أعمل في وادي الخصيب" ويري في ذلك المنهج النفسي خلاصة تاريخ مصر بالكامل.

يعالج حسين فوزي فكرة الانتماء التي تحير الشباب اليوم، دون أن يعلن ذلك مباشرة، استمع بقلبك جيداً وتأمل كيف احتضن أجيال التاريخ، باراً بكل أجداده وأبائه الأقدمين" أنظرني حتي تتبين حاضري، وستعرف أن حرفاً واحداً لم أنسه مما بقي من تاريخي الوثني، والمسيحي، والإسلامي، فليس من طبيعة المصري أن يتخلي عن تراثه، تالده وطريفه، كراكيبه وتحفه الغالية، عظيمه وحقيره.

في قلبي الفسيح مكان لكل أسلافي، عاقلهم وأحمقهم، غنيهم وفقيرهم.

"بهو الأجداد" في بيتي لا يعني بأسماء يتردد صداها في رحاب التاريخ وقاعاته، بقدر ما يعني بالمجهولين المغمورين منهم، ذلك الجبار المصري الذي رمي وراء ستين قرناً من الزمان، مكلل الجبين بكل ذلك المجد، مثقل الكاهل بكل ذلك العذاب والقهر".

نلحظ من رؤيته للتاريخ المصري أننا لا ننتمي إلي مرحلة دون أخري، ولا تصنيف دفع الآخر من حلبة التاريخ، إننا كمصريين ننتمي لوادي النيل الذي صهره التاريخ بالتحالف مع الجغرافيا في بوتقة فريدة، شملت عناصر متعددة شكلت الوجدان المصري، وجعلتنا علي ما نحن عليه بعيوبنا ومميزاتنا، إن الدراسة المتأنية لذلك الكتاب أشبه بخريطة ذهنية تهب وعياً حقيقياً- بعيداً عن سخافات وحماقات الإنترنت والصفحات الإلكترونية- لكل من يعاني لعدم قدرته استيعاب الهوية المصرية، وله العذر في ذلك، فبلد يربو تاريخها علي سبعة آلاف عام، من الصعب تحديد هويتها إلا بدراسة تاريخية متعمقة تبدأ من الجذور الأولي، وهذا ما يقدمه حسين فوزي في سياحته وهو الرحالة بين المدن والأمكنة، عندما يحمل عصا تجواله ويدور في أزمنة ووقائع التاريخ المصري، حيث يعترف في البداية" لا فضل لي في هذا الكتاب إلا أني رسمت خطته ونظمت فصوله، تبعاً لانفعالاتي الشخصية بتاريخ بلادي". 


لغة هذا الكتاب وحدها تعبير عن الهوية المصرية، فلحسين فوزي لغة لها طابعها الخاص، شكلها عشقه للموسيقي ودراسته لها نظرياً وفلسفياً، وما تزال تسجيلاته بصوته القوي الواثق يشرح الموسيقي العالمية في إذاعة البرنامج الثقافي ويحللها بشغف شديد، متنقلاً بين سيمفونيات بيتهوفن وباخ وموتسارت وشوبان وغيرهم من فطاحل الموسيقي، وأيضاً لنشأته الشعبية بجوار مسجد الحسين شكلت له لغة جمعت بين الفصحي والعامية في تناغم فريد، لا يضاهيه فيها إلا يحيي حقي وخيري شلبي، فضلاً عن معيشته في أوروبا واطلاعه علي علومها و فنونها وآدابها. 

يؤخذ علي حسين فوزي تجاهل انتماء مصر العربي مفضلاً عليه الانتماء للحضارة الغربية ومنجزاتها وقوانينها ونمط حياتها، وهو ما نلمسه في هذا الكتاب المنشور في الستينيات في أوج انتماء مصر القومي للعروبة، لم يخف ذلك فقد كان النموذج الغربي هو النموذج المنشود لطبقة لا يستهان بها من مثقفي مصر ومفكريها في القرن العشرين وخصوصاً في النصف الأول منه، وهذا ليس بعيب علي الإطلاق ولا مادة للتندر والسخرية كما نلحظ في كتابات من يهاجمون ذلك الاتجاه الفكري، فالكاتب عندما يطرح فكرة ما لا يظن في نفسه أنه صولون أو حمورابي وقد أصدر مرسوماً يجب طاعته واتباعه، بل هي رؤية نابعة من تجربته وثقافته يقدمها للنقد والتمحيص، لتخضع للنقاش الحر والمنطق المسلح بالمعرفة والثقافة كي تنضج ثمراته وتفيد المجتمع، وكل القضايا الجدلية في التاريخ أو حتي العلم لا يمكن البت فيها نهائياً، بل تحتاج لمجهودات أجيال متتابعة لتغطي جوانبها وتشرحها بوضوح واقتدار، وقد أسهم حسين فوزي بنصيبه في الأمور التاريخية والثقافية.

كتب حسين فوزي مؤلفه هذا في" بحبوحة الأدب والفن: حرية في الفكر وتحرر في الأسلوب" فترك بصمة واضحة في العقلية العربية الحديثة، ومعلماً هاماً في المكتبة العربية المعاصرة، تزداد قيمتها كلما مر عليها الزمن وتعاقبت الأجيال المصرية، لتنطق بسؤالها الخالد الأبدي" إلي أين نتجه؟". 



الخميس، 15 يناير 2026

ومضات تاريخية

 



١-عين حورس


همس لنفسه "ضاعت ولم يعد لها وجود"... تحسس مكان عينه المفقودة علي يد عمه ست، ولما رأي أتباعه مدي حزنه، فقاموا برسمها علي الجدران وورق البردي، حتي أصبحت أشهر عين في التاريخ، ومنذ ذلك اليوم تحدق فينا عين حورس  المنطفئة في كل مكان



٢- أحزان خيتي


الملك خيتي رابع من حمل اسمه قابع في قصره، لا يأكل ولا يتكلم، يفكر في حربه مع أنتف العظيم، حاكم مدينة طيبة المتمرد، يأكله الندم علي تدميره للعديد من المعابد المقدسة وضياع آلاف الأرواح، فنادي علي ابنه وطلب منه أن يسجل وصاياه الخاصة بتقوي الآلهة وتجنب الحروب.


٣- التاجان


في كل عام يتذكر الملك مينا الهتاف الذي اخترق سمعه وملأ روحه "عاش مينا موحد القطرين" ليس بوسعه فصم وجهي البلاد وإعادة كفاح الوحدة من جديد، كان يكتفي بفصل تاج الشمال الأحمر عن تاج الجنوب الأبيض، ويعيد تركيبهما معاً، ثم يتوج نفسه من جديد.


٤-نبيذ لأجل سخمت


أخيراً استلقت سخمت سكرانة من شراب النبيذ الإلهي الذي وضعه لها رع كي تتوقف عن سفك دماء البشر، نظرت إلي البحيرة الحمراء التي عبت منها في جوفها، ففهمت كل شئ، غضبت علي خداع أبيها لها، لكن غضبها ذاب في جوفها وهي تستمع لضحكات الصغار الذين يمرون من أمامها.


٥- أري أشياء رائعة


تصبب العرق من اللورد كارنافون، رغم برد نوفمبر القارص عام ١٩٢٢،وتمني لو وهب عيناً تخترق سماكة الحجر، جفف جبينه بمنديل وهو يري علي ضوء المصباح الخافت، هيوارد كارتر يقترب من فتحة المقبرة وبين يديه شمعة ضئيلة، شمعة أضاءت وهجاً أعمي عينيه لما انعكس علي مئات القطع الذهبية للملك توت عنخ آمون، ارتعشت يداه بشدة وهو يتأمل الروعة المتجسدة حوله، وهتف كارنافون  بصبر نافد:

- ماذا تري؟

فأجاب بما سيدور في خلد كل إنسان سيشاهد محتويات المقبرة إلي الأبد:

- أري.... أري أشياء رائعة".




الأحد، 4 يناير 2026

دار دون....أو المدينة كما رأيتها


دار دون....أو المدينة كما رأيتها


ترجع بداية اكتشافي لدار دون منذ بداية ظهورها عام ٢٠٠٨،كنت أشاهد أغلفة إصداراتها المميزة في الصحف، ولطالما أعجبت بتصاميمها الملفتة للنظر في ذلك الوقت لم يكن الإنترنت متوفراً كاليوم، ولكن كان هناك شغفاً حقيقياً بالمعرفة، فظللت أتتبع أخبارها في الصفحات المختصة بالثقافة وعروض الكتب في الصحف والمجلات... الاسم نفسه كان جذاباً فقد كانت حركة التدوين والمدونات الإلكترونية في مجدها، ومنذ تلك الآونة تحتل دار دون مركزاً متقدماً في القائمة المفضلة لدي، لأن كل كتاب تنشره إما يمس شيئاً في وجداني أو عقلي، وهكذا اعتبرت تلك الدار بمثابة مدينة خيالية، أنسلخ من مشاكلي وآلامي وأهادن الأيام القاسية بالهرب ناحيتها، لأبتهج وأستفيد، ولأن المجال لا يسمح بالإطالة-وأنا من عشاق الإطالة والاستطراد- فسأكتفي بما جري لي في شوارع مدينة/دار دون في العام الماضي فحسب.

شوارع تلك المدينة ملأي بالمشاهدات والتأملات، ففي شارع التاريخ يقف شريف سامي يحكي ماجري لبني البشر منذ زمن آدم، ويسرد ماجري لذريته التي توزعت بين الخير والشر حتي طوفان نوح، ومآل البشرية بعد الطوفان الذي تردد صداه في كل الحضارات القديمة كالحضارة المصرية القديمة والبابلية  واليونانية، متنقلاً من الكتب المقدسة للأنثروبولوجيا للجغرافيا للأساطير وأقوال المؤرخين ذاكراً لكافة وجهات النظر، وفي النهاية يحكم العقل والمنطق كي يفصل بينهم، وأيضاً يجلي حقيقة خطيرة ألا وهي استخدام القصص الدينية وشروحاتها لأغراض سياسية تخدم فئة ما علي حساب الأخري، ويختتم كتابه" الأرض بعد طوفان نوح" بالخلاصة الحقيقية والصادقة لذلك المشوار الطويل" يجب أن نعلم أننا جميعاً خليط واحد، وأن رب السماء لم يحلل العنصرية في أي كتاب"، و يستعرض تاريخ أوروبا المتشابك في"مختصر تاريخ أوروبا" منذ أقدم العصور حتي عصرنا الحالي، لنري كيف تشكلت القارة العجوز، وأحوالها في الحرب والسلم، وتلك الضريبة الباهظة التي دفعتها كي تتقدم إلي ماهي عليه الآن وهو في حد ذاته درساً تاريخياً ملئ بالعبر، وفي كتاب"٢٦ساعة في حياة هتلر" أدركت بصورة غير مباشرة أن عمر الإنسان لا يقاس بالسنوات، فالسنين طويلة، معظم أيامها غث لا معني له، بل بالساعات الحاسمة التي ينتج عنها قرارات مصيرية، فبين ساعة تمرد الصغير أدولف علي أبيه القاسي حتي هزيمته وهو الفوهرر في الحرب العالمية الثانية، تظهر مع تقدم الساعات تلك الشخصية الأكثر جدلاً في التاريخ الحديث  بالتدريج حتي تكتمل صورتها النهائية من جوانب عدة، ما يجعل ذلك الكتاي تعريفاً وافياً لسيرة الرجل الذي قلب العالم.

وفي شارع آخر ألتقي برجل طالما أحببت لقائه منذ سلسلة الرجل المستحيل... نبيل فاروق يؤدي دوره لآخر عمره ليزيد من الوعي الوطني في كتاب "حروب" الذي حدثنا فيه عن تاريخ الحروب منذ زمن السيوف والرماح حتي حروب الجيل الرابع الخبيثة المعتمدة علي وسائل الإعلام والإشاعات والألاعيب النفسية، وفي الكتاب فصلين دسمين الأول عن رفعت الجمال الشهير برأفت الهجان، يجيب فيه عن أسئلة حول تلك الشخصية الغامضة طالما سببت لي الحيرة، والثاني عن جماعة الحشاشين وقائدها حسن الصباح، ومقره في قلعة ألموت... وسيصحبنا نبيل فاروق لشارع آخر كان بالنسبة لي مفاجئة وهو شارع السينما والدراما "شغف السينما" وسأري له وجهاً لم أعرفه من قبل، فهو مشاهد عتيد تنقل بين الأعمال السينمائية والدرامية في مصر وخارجها، فاستعادت ذاكرتي أوقاتاً جميلة قضيتها علي شاشة الفرجة، وزاد تأكدي أن باب السينما والدراما واحد من أكثر أبواب المعرفة ثراء، حين تدرس موضوعاتها بجدية.

وفي ختام العام كام كتاب" ميت مطلوب للشهادة" وفيه جمعت سمر عبد العظيم بين الفن القصصي ووقائع الطب الشرعي المثيرة، أثناء اكتشاف الحقائق خلف حالات الانتحار والقتل والحوادث، وتبين الواقع من الزيف، ولقد تلفت حولي طويلاً فيه متوجساً، فلا أعرف ماذا يمكن أن أسمي هذا الشارع فكل أبطاله يتحدثون من العالم الآخر.