الأحد، 6 أكتوبر، 2013

ذكريات شاب دخل خرابة فاروس كأنها رواية

ذكريات شاب دخل خرابة فاروس


كأنها رواية








"الحياة ليست ما يعيشه أحدنا,وإنما هي ما يتذكره,وكيف يتذكره ليرويه"


ماركيز








كنت قد وضعت داخل أدراج مخي قرار بتأجيل الكتابة عن تلك الخرابة حتي الخروج منها؛لأني توهمت لفترة أن لما أكتبه أهمية من أي نوع,وخفت أن أضر نفسي في الخرابة أكثر مما هي,حتي لو كان هذا الأمر صحيحاً,ألست ابناً للثورة كما أزعم بيني وبين نفسي,ألم يمت من هم في مثل عمري وأصغر حتي لا نكون كما نحن الآن,بدأت في تسجيل تلك الذكريات يوم 1أكتوبر2013,وأنا شبه منقطع عن كل مايحدث في البلد من حولي,فقط متوحداً مع الكتب واللاب توب والتابيلت ومصاباً بدور زكام ملعون,منعني من كتابة الإجابة التي تمور في رأسي منذ أيام عن أحد أسئلة يوسف زيدان"الصلة الخفية بين النزعات الصوفية والفلسفة الوجودية",وقد وضعت بدلاً من الإجابة التي حضرتها في ذهني,أخري قميئة وساذجة,وقد علمتني تلك التجربة-وأنا أعتبر كل لحظة تجربة-,أنني طالما أردت أن أكتب فلا يمكنني الانتظار.





تعلمت من الثورة ألا أرهب أحداً مهماً كان وأن أقول ما أعتقد بلا مواربة ولا موالسة,وتعلمت أيضاً من التفاهات التي تضاف إليها تلك التفاهة التي أكتبها الآن,أن أعبر عما في قلبي وأن أكتب بإحساسي قبل عقلي وتفكيري,فالوجدان قبل كل شئ في الفن؛لن أخجل من كوني ما أنا عليه مهما كنت بشعاً,أو أحمق أو فاشل,فالحياة في مصر(المزورة)التي نعيش فيها لا تخرج شخصاً جيداً للأسف,لو توقفنا عن تناول الأوهام ونظرنا لأنفسنا بشجاعة....سأقول كل شئ في ذكرياتي التي لا تهم سواي.





بالترتيب الزمني:


إلي فاطمة ناعوت حين قالت لي:







أشكر الأستاذ(محمود قدري)الذي لم أشرف بلقائه، على أنه لم يقرأ شعري جيدا وحسب، بل قرأ روحي وعقلي ووقف على تركيبتي النفسية http://wwwmahmoudkadrycom.blogspot.com/2012/09/blog-post_11.html …








@FatimaNaoot العفو يا أستاذة...






Image will appear as a link





@KadryKadry31 أهلا أهلا أستاذ محمود. لآ أوفيك شكرا على هذه القطعة النقدية العذبة الجميلة.








@KadryKadry31 راق لي كثيرا المقارنة بين نظرتي حين شعرت بالحزن والظلم، وبين نظرة الإوزة لذابحها لحظة الذبح في قصيدتي. تحية لفراستك.








·         @FatimaNaoot التحية تستحقها مشاعرك النقية الملهمة







@KadryKadry31 كل احترامي أستاذ محمود قدري. دمت بعز وفرح.






وأنا حتي الآن في حيرة من أمري,علام كانت تشكرني؟!,وأنا من  لايوفيها شكراً في الواقع بسبب ذلك الرد الذي لن أنساه كما لن أنساها طوال عمري,فقد جاءت تلك الكلمات في وقت,كنت أتخيل مشاهد انتحاري بطرق مختلفة, متسائلاً إن كنت أملك الشجاعة الكافية لتنفيذها!!فكانت كلماتها جرعة صبر وتشجيع حلا محل تفكيري في الانتحار سعياً وراء الراحة الأبدية.عموماً أنا لم أقل لها كل ماكان في قلبي,كلمة بسيطة فقط,فهي في الصورة المصرية زهرة جميلة وسط محيط ضخم من العفن؛ومن أجل ذلك تمتد أياد لا حصر لها محاولة قطفها وإخفاءها حتي لا تظهر قبحهم وعفنهم.





إلي مؤمن المحمدي حين قال لي:


والله فعلا حاجة زي الفل .ورشيقة ومية مية


قد لا يعرف الكثيرون مؤمن المحمدي,المحمدي واحد من مظاليم الحياة الثقافية في مصر,وصاحب شجاعة مواجهة الإسلاميين بنفس منطقهم وذات مصادرهم,كما كان يفعل فرج فودة,وأنا أعترف له أنه أحد ظرفاء عصر ثقيل الظل


إلي يوسف زيدان حين أعلن عني:


تمت مشاركة ‏رابط‏ من قبل ‏‏Youssef Ziedan‏‏.




هذه البذرة ستكون يوماً شجرةً وارفة


وحين وضع اسمي مع من يستدل بهم علي أن العقل العربي لا يزال حاله مباشراً,وإن كنت أري غير ذلك!





إلي علاء الأسواني حين أرسل إلي:


أشكرك يا صديقي على تقديرك الذى أعتز به كثيرا ولكن أرجو أن تحتفظ بالتفاؤل لأن الثورة مستمرة وستنتصر باذن الله
تحياتي ومحبتي
علاء الأسواني

--- On Fri, 2/22/13, Mahmoud Kadry <mahmoud.kadry31@yahoo.com> wrote:



From: Mahmoud Kadry <mahmoud.kadry31@yahoo.com>
Subject:
To: "Dralaa57@yahoo.com" <Dralaa57@yahoo.com>
Date: Friday, February 22, 2013, 1:56 AM


والأسواني صديقي الحقيقي الوحيد في الحياة...في خيالي





لو كانت لي ذكريات سعيدة,وأنا بعد أربع شهور سأكون في بداية الثانية والعشرين من عمري,فهي تلك الكلمات.


قد تجدونها أشياء لا تستحق الذكر وتسخرون مني كما سخر أصدقائي (هم اثنان فقط),لكنها أسعدتني في وقت كنت في أمس الحاجة إلي من يقول لي أني موجود!!,أني لست وحدي ولوكنت حتي إنطوائياً أنفر من الناس ويستغربني الناس,ويغتاظون مني لأنني أبدو أمامهم مثقفاً وفاهماً,والله وحده أعلم بحالي!!





إلي نفسي المسكينة التعسة وإليهم,سأبدأ في تسجيل ما مررت به حتي ما أنا عليه.





من قبل ومن بعد...إلي كل روح ضحت بنفسها لتنعم أرواحنا بما حلموا هم به...إلي كل شهيد سقط وسيسقط وفي قلبه اسم مصر,وعلي وجهه ملامح حلم....


1





كانت تصحبني أمي عند أهلها,وأمي في نفس الوقت ابنة عم أبي فعائلتها هي ذاتها عائلة أبي,وكان خالي وهو بالطبع ابن عم أبي لكن صفة خال أقرب له,فنحن عائلتنا دمنهورية قائمة علي زواج الأقارب في الغالب أولاد عمومة وحتي لا أتوه في تفاريع العائلة,فسنحذف جزء الأنساب.المهم كان خالي يمتلك مكتبة خشبية صغيرة لازلت أذكرها إلي الآن,مصنوعة بخشب كخشب ألواح السرير,مطلية بدهان أبيض سئ,الكتب الدينية تحتل منها أكبر نصيب,كانت أمي تسهي مع إخوتها وأمها,وأنا أسهي في عالم المكتبة الصغير,أذكر أني قرأت فيها,أول كتاب في حياتي"دع القلق وابدأ الحياة,ربما كنت في الابتدائية في السنة الأخيرة,ومنها أيضاً اطلعت علي كتاب العقد الفريد,وكنت في غاية المتعة,اكتشفت متعة القراءة وأنا في تلك السن,أن تضطجع علي سرير خالك الصغير,وتختفي أصوات النساء الصاخبة,بمجرد أن تندمج في الصفحات,كان الأمر بالنسبة لي تجربة جنسية,تتوحد مع الكتاب وتنسي كل شئ,حتي أنك لا تلتفت للفتاة الجميلة الواقفة في البلكونة المقابلة تماماً,ترتدي نظارات ذهبية وتنظر إليك في اهتمام.


هناك أيضاً عرفت لأول مرة برتراند رسل في حكمة الغرب,وتعرفت علي كتب الإخوان وأدبياتهم السخيفة,ولم أعرف كم كنت مخدوعاً في تلك المكتبة الخالية من أي رواية مهما كانت إلا حينما التقيت لأول مرة بنجيب محفوظ,بعد أن رسبت في كلية الحقوق,وقررت ألا أذهب,وبدأت أجلس مع "أبهاتي"كما كنت أسميهم,وأبهاتي هم مؤلفي الكتب,وبداية تعرفي بالعظيم نجيب محفوظ حكاية سأحكيها:لو راجعت ما كتبته في هذه المدونة أو مانشرته في موقعي اليوم والسابع والشروق,ستجد أن هجومي علي التعليم في مصر هجوم ثأري من قلب مكلوم,راجعهم وعد.....


كنت أكره الذهاب للحقوق,فقد كنت أريد دراسة السينما؛لأصبح مخرجاً أو كاتباً للسيناريو,لكني تعرضت لعوائق من الظروف,أهم تلك العوائق أن أبي لم يكن سينمائياً فأنا لست ابن عادل أمام حتي يختاروني من بين ثمانية طلاب فقط في كل قسم,أبي تاجر ميسور الحال. أمي لا تقدر علي علي سفري للقاهرة,فهي فقيرة للأمان ولذلك تريدنا كلنا أمام أعينها,ولو لم يرد واحد منا علي الموبايل فهي تظل تسبح بالمسبحة حتي يرد,كيف لتلك الأم أن تترك إبنها الصغير ذي 16عاماً أن يذهب للقاهرة ليدرس السينما؟!لذلك بدأت ولأول مرة أتخلي عن حلمي,ولم أكن أعلم حينها أنها ستصبح عادة بعد ذلك.





بعد وضعني التنسيق أمام اختيار حقوق طنطا وحقوق الأسكندرية,اخترت أنا حقوق الأسكندرية,فلابد أن يكون فيها مسرح يعوضني عن السينما,لن أهتم بصعوبة الدراسة ولا أن طنطا كل من عدي بجوار السور ينجح,أنا شاب فنان,والفن أولاً.


أذكر أني ذهبت للأسكندرية مع أسرتي وأسرة عمي مرات عديدة للتصييف في طفولتي أذكرها كحلم خاطف لم أتمكن من صيده,لكن زيارتي الواعية الأولي لم تكن سوي وأنا ذاهب لأترك لهم ملفي,كان مجموعي في الثانوية نفس ذات مجموع القبول,حتي أن عمي-عم آخر غير عم اسكندرية-,صرح لأبي ونحن راجعين في القطار:"أنا كنت خايف ما ياخدهوش ومايلاقيش مكان,ده مجموعة إيه!!!بالظبط!!!"


لأول مرة أنتظر القطار في المحطة,وكنت أتخيل وإلي الآن أن القطار في كل مرة سيأكلني,ربما سمعت وأنا صغير وصف"القطر كله"بمعني صدمه ومزقه,لذلك أتخيل نفسي كلما ركبت القطار تحت عجلاته,قابلت واحد من زملائي القدامي كان أبوه يريد أن يلحقه بالصيدلة حتي يدير هو الصيدلية,لكن الجامعات الخاصة حتي لم تقبله لتدني مجموعه,فكان معي في الديزل,ولم أقابله للآن.


في جامعة الأسكندرية أصبحت طالباً,وأنا إلي الآن لا أعرف معني كلمة"طالب"في مصر,أطلب ماذا؟وهل مصر تعطي شيئاً لأحد؟!,وقبل أن يظن أحد بي ظن سئ,فليعد أيضاً إلي ماكتبته عن الثورة وعن مصر التي أحبها,ولكن حبي لها لا يمنعني من أن أقول أنها دولة سيئة ومجتمع سئ,لي نظرية أن كل من عاش في مصر واختلط بمشاكلها حتي سن العشرين فقد أصيب بالعفن فنحن بلد الهرم بصحيح لكن حياتنا مصطبة,مصطبة يتعفن فيها كل شئ عكس الغرب,فهو مجتمع هرمي والهرم من عجائبة أنك لو وضعت بداخله شفرة تلمة ستصبح حادة وكل الأطعمة بداخله لا تصاب بالعفن,وأنا في الواحدة والعشرين وأشعر أني اكتهلت وعفنت ولم أعد أرغب بشئ في الحياة,فقبل دخولي خرابة فاروس كنت أحلم بنوبل أو علي الأقل أن أكون في مكانة أنيس منصور,أنا الآن لا أرغب سوي أن يتركني الجميع في حالي,لا أريد أن أتعامل مع أحد أو أن أخرج للشارع,لكن وياللأسف بعد أيام سأعود للخرابة مرة أخري في السنة الرابعة,السنة الرابعة وأنا راسب في أربعة مواد ومنصوب عليّ في 80  ألف جنيه تقريباً أعطيتهم للخرابة,ولا أستطيع النجاح في مادتي الكمبيوتر والانجليزي,وسأتركهما لسنة قادمة وحدهما,وأشياء سأخري سنقولها بعد أن نفرغ من حكي بداية تعرفي علي نجيب محفوظ أبي الروحي وملهمي.


في الحقوق كنت انتساب فلم أحضر,فليس هناك مسرح,إذن فلن أذهب استعضت عن الذهاب بـ"كورس"كنت أحضره عند محامي في شارعنا,فشارعنا بين كل محامي ومحامي يقبع محامي علي مكتب,يعاني البطالة؛لذلك كان الكورس حسن,ولكن أبي بعد فترة ضغط علي للذهاب للمحاضرات,كنت أذهب,ولكن لـ"سايبر"نت يعمل فيه أحد أصدقائي في الكورس,كنت أطلب من الفتاة المحجبة الهادئة في المحل أن تُعلي صوت فيروز,وأنا في عالم الانترنت,لم يكن عندي حينها فيس بوك,ولا مدونة,كنا في 2008وكنت في السادسة عشر,فتي من دمنهور لا يعرف عن العالم غير ما يقرأه في جريدة الدستور وما يسمعه من إذاعة البرنامج الثقافي ليلاً,وهما قصة أخري حكيتها أيضاً في المدونة ولو جئنا علي ذكرهما مرة أخري ربما عاودتني ذكريات منسية عنهما,لم أكن أسمع عن الفيس بوك,لكني قرأت عن المدونات وأثرها في عالم السياسة والأدب,كنت أتابع الانترنت من علي الموبايلN73المستعمل الذي أخذته من أبي,كان خالد كساب وإبراهيم عيسي وبلال فضل,وغيرهم من كتيبة الدستور يقولان ما يجعلني أريد الاستزادة,لم يكن عندنا في المنزل انترنت,فقد عارضت أمي الفكرة,لأن الانترنت في تصورها هو ما تسمعه من انحلال وفسوق,فكنت أتخلي عن الرصيد للانترنت وأحرم منه المكالمات-لم أكن انطوائياً كالآن-وأذهب لأري من هو الأبنودي هذا,ومن يكون أمل دنقل,وماذا يقول نجيب محفوظ,وهل ستقوم في مصر ثورة قريبة كما يقول المحللون,ومن هو علاء الأسواني الذي ينشرون له "شيكاجو",أنا لم أتابعه لأني في ذلك الوقت لم أكن مضروباً بعد بالأدب,بالعكس كنت لا أجد أي فائدة أو لذة في الخيال,ربما لأني لم أكن قد ذقت مرارة الواقع بعد,فكنت مطلعاً بشكل كبير علي مايحدث من حولي داخل الاطار"الدستوري"نسبة إلي جريدة الدستور,التي أشعر باليتم حين أتذكر أني فقدتها للأبد علي يد السيد البدوي,ورغم ذلك لم أمنع نفسي من التعاطف معه وهو مضروب بالقفا مؤخراً.


المهم...


وأنا في السايبر كنت قد قررت أن أقرأ أولاد حارتنا هذه,لأعرف كيف كان محفوظ مزدرياً للأديان,عابثاً بالله وأنبياؤه,ومن حينها وأنا مضروب بالكتب والأدب والفن,رغم كل الخراء الذي أغوص فيه في الخرابة إلا أني مع أن شغفي بالصحف انتهي إلا أن شغفي بالكتب يزداد اشتعالاً,حملتها علي الموبايل وذهبت إلي المنزل في موعد رجوعي من الكلية ووضعتها بي دي إف,ولأول مرة أعرف ما هوالبي دي إف,وكيف يكون الكتاب الحصول عليه سهلاً,كان عندي الأعمال الكاملة,وبدأت بأولاد حارتنا,ومنذ ذلك الحين لعب محفوظ دوراً محورياً,في حياتي....سأصبح أنا الآخر كاتباً مثله!


كانت حصيلة الامتحانات 8مواد رسوب ونجحت في اللغة الانجليزية-قبل أن أنساها-ومادة أخري لا أذكرها,هل كنت أستحق الرسوب؟أظن أن لا,فقد كنت في امتحانات الكورس أحصل علي الدرجة النهائية,حتي أنني شرحت لزملائي الذين سألوني عن كيفية إمكاني كتابة المذكرة من ذهني مرة أخري في الامتحان,نظرية التصورير"وأنت بتقرا كده المذكرة ركز فيها وخدلها صورة حلوة في دماغك وثبتها,هاتتحفر في دماغك",كان الكل متأكداً من حصولي علي تقدير عال,حتي والدة أحد أًصدقائي حين كنت أزوره كانت تطلب مني أن أنصحه وأجلس أستذكر محاضراتي معه حتي ينجح....لم أفكر غير الآن في ردة فعل تلك السيدة حين عرف من أحمد ابنها رسوبي المدوي!!


بداخلي كنت أريد الرسوب...أنا فنان أيها العالم,مالي وللتنظيم الدولي وعلم الإجرام والعقاب وكل تلك الأشياء التي لا أريدها أن تدخل حياتي,أريد السينما,أريد أن أصنع فيلم كالحلم,أريد أن أصور وأعبر عن كل ما يجتاحني من خيالات تعذبني في اليقظة والمنام,وليس هنا وسط السبكي واللمبي,بل في هوليوود,أنا فنان عالمي يا ناس يا عديمي الفهم والإحساس,من جاء بي إلي هذا المدرج الواسع لأقف علي رجلي وسط الزحان أستمع,إلي شخص يقول:"يعني لو الست أم محمد مربية فراخ والفراخ مطلع عليكوا ريحة وحشة,تعمل إنت إيه كمحامي؟........."فكنت أضطر أن أسرح مع نيكول كيدمان وألباتشينو ونيكولاس كيدج وساندرا بولوك,وستيفن ستيلبيرج ومسلسل لوست وبريزون بريك,وكل تلك الأفلام التي تخيلت يوماً أن أصنع مثلها في يوم من الأيام,وأن أجعل من مونيكا بيلوتشي الممثلة الأولي علي الكوكب,نداء في داخلي يأمرني بالرسوب فرسبت.





في مصر وكما أذكر الآن فيديو مدير الأمن في فترة يناير 2011وهو يقول للظباط والعساكر,ما معناه أنهم أسيادهم وأن من سيمد يده علي سيده سنقطعها له, يحلم معظم الشباب أن يلتحق بكلية عسكرية,فيحصل علي لقب باشا ويمتلك السلطة التي تضمن له رهبة وسط مجتمع لا يعترف إلا بالقوي,وكان حلم ابن عمي أن يلتحق بكلية الشرطة,وسيذهب للامتحانات العسكرية,ساذهب معه أيضاً,ولكن سأروح لشارع الهرم,لمعهد السينما,قابلني شخص لا أذكر ملامحه,وأنا علي البوابة كنت أهم بدخول أرض أحلامي,لكنه منعني من المرور,وسألني عما أريد فسألته رداً علي سؤاله ضمناً عن موعد تقديم الأوراق لاختبارات القبول,فأجابني"بكرة آخر يوم عشان تجيب الورق",وهكذاضاع حلم معهد السينما وراح قسم السيناريو الذي اخترته بعد تأثري بالأدب,وقبعت في المنزل لا أريد الذهاب إلي الحقوق,في السنة الأولي بعد الرسوب,وبتأثير الكتب والمؤلفين وحكايات الستينيات,كنت قد اتخذت قراري....أريد أن أكون صحفياً.





2


غداً أو الأسبوع القادم علي الأكثر سأذهب إلي الخرابة لأسجل نفسي؛كمغفل وأدفع  في البنك 12 أو 13 ألف جنيه,أحاول الآن التذكر هل أنا من طلبت من أبي الذهاب إلي تلك الخرابة أم هو من استقصي عليها ليعرف,ما أتذكره بالظبط,أني بعد أن رسبت في الحقوق,كنت أجلس طوال اليوم عند ابن عمتي في محل بقالة يملكه يصر علي تسميته بالمكتبة-كانت تلك التسمية تريحه نفسياً-كنت في المكتبة عندما ناداني أبي من مكتبه التجاري الجديد المقابل للمكتبة و والمجاور لمكتبه القديم,كنت أدخن سيجارة وراء الفاترينة كي لا يراني أحد,وربما دخل علي أحد الصيع ممن يرونني أفضلهم في شئ ما,وقال في تشفٍ:"الله ما أنت بتاخد أنفاس زينا أهوه",كأنه بي وأنا أشم بيسة تحت الكوبري,نبهني ابن عمتي لنداء أبي:"محمود..أبوك عايزك"اطفأت السيجارة مسرعاً وأخذت لبانة بالنعناع,ورأيت أبي علي الرصيف المقابل ينتحي بي,ويخبرني أن فاروس بها كلية للإعلام تقبل مجموعي,,ولكن علي الانتظار للعام المقبل لأن أوان التسجيل قد فات,وكنت حاصل علي 67%علي ما أذكر.





أبي يعرف أحد المهندسين العاملين في الخرابة ولا أعرف ماذا يعمل بالضبط لم أهتم,كان شكلي أكبر منه بمراحل,كان يحتفظ بملامح طفولية وجسد ضئيل وإشراقة من رضي عن الحياة ورضت الحياة عنه,بينما كنت مربي ذقني منكوش الشعور في عيني نظرة ذاهلة واستسلام للحياة,كأني فتاة في لحظات مابعد الاغتصاب,كانت حساسيتي ومشاعري المرهفة-حقيقة لا أسخر- يسببان لي الألم الرهيب كل لحظة,وخصوصاً بعد أن زادني الأدب إحساساً بكل شئ,وأنا أري الأدب أفضل وأعمق وأكثر صدقاً من الحياة المعاشة بكثير,فالروائي يرينا ويشرح مالانستطيع نحن رؤيته في الحياة العادية,الحياة اليومية عبارة عن تضارب للمصالح وصراع علي من يفوز,بالضبط كالركاب حين يندفعون ناحية الميكروباص في وقت الذروة والزحام يملأ الموقف,حينها أنا لا أفكر في شئ سوي المقعد الذي أجاهد أن أحصل عليه وأتمني أن يكون بجوار النافذة,لا أعرف من يدفعني من خلفي,أو من يزقني في جانبي,ولا أعتبر الضربة التي تصيبني إلا جزء من الصراع علي الكرسي,في الأدب أنا جالس مع الأديب نشرح الحياة سوياً,نصف كل شئ,ونحاول فهم هذا لماذا يفعل ذلك,وتلك لماذا تصرفت بتلك الطريقة,وما الذي يحدث داخل النفس الإنسانية,نعبر عن الألم والأسف والأسي,لا نضحك علي بعضنا ونعتبر أن الحياة بمبي,الحياة شئ سخيف وعبثي ولا يستحق التفكير,لكنها لذيذة أحياناً,لابد أن تسكرنا تلك اللذة للحظات عابرة,ومن فرط نشوتنا بتلك اللحظات نقول أن الحياة حلوة,وتستحق أن تعاش,وأن السعادة موجودة لمن يبحث عنها,كل ذلك أوهام وقلة أدب أيضاً,هؤلاء الناس لا أدب ولا دم عندهم لأنهم يقولون نفس الكلام بكل بجاحة,الحياة سجن المؤمن بها وجنةالكافر بها,سجن من يريد ويحتاج ويعوز منها أشياء وأشياء,وكنت أنا من هؤلاء,كنت أريد أن أكون مرتاحاً وأن أحصل علي نوبل فقط!ولكني اليوم ومع شعوري وتركيزي في مرور الزمن وتغير الأحوال وتقلب النفوس,كافر بتلك الحياة ولا أريد منها غير أن أكتب...لماذا أريد أن كتب؟! والله لا أعرف ولا أظن أني أستطيع الكتابة أصلاً,كل ما أعرفه أن هناك قلق وألم يشبه الخطيئة الوحشية بداخلي يدفعني للدق علي الحروف كنوع من التنفيس,ويمنعني حتي من مراجعة ما كتبت,كما أن شعوري بالاغتراب عن الحياة يقل حين أجلس لأكتب,ربما أشعر بذاتي الضائعة حينها,أو من الممكن أن حلم نوبل لا يزال يراودني,لكنه يراودني علي صورة ساخرة مريرة,الحياة بنت وسخة يا صديقي فلا تطمع فيها,اكفر بها تعش مرتاحاً.





أول يوم اتصلت بالمهندس صديق أبي ليصاحبني في بعض الإجراءات بناء علي طلبه كنوع من الجدعنة بنا,أخذني للعيادة الجامعية كي يتأكد الدكتور لصلاحيتي للاستخدام الآدمي,بضعة أسئلة سخيفة,قارنتها فيما بعد بأيام الزمن الجميل,حين كانت المومسات يحصلن علي شهادة صحية ليطمئن طرفي العلاقة علي أجسادهم قبل الشروع في العمل الخطير المرتقب,بالطبع اصطحبت معي نجيب محفوظ,علاقتي بالناس قد انقطعت تقريباً,وكنت أجلس وأتكلم مع عمران فقط(سأستخدم منذ الآن أسماء مزيفة لأشخاص حقيقيين)صديق لي من المرحلة الإعدادية ويسكن في المنزل الملاصق لي,فاروس ليس فيها حرم جامعي,فالخرابات بها أفنية فقط,وكنت في الفناء ممدداً علي المقعد الرخامي الظليل قارئاً لخان الخليلي,ووجدته مقبلاً نحوي يرمق الكتاب بدهشة وخوف,معظم الشعب المصري لا يحب الكتب ويكرهها ويتعامل مع من يتعامل معها بنوع من الغيظ الممزوج بالاحتقار,هم يحبون بوس الواوا لهيفاء ولعب أبوتريكة,وأفلام السبكي,والفول صباحاً,والحديث عن الجنس بشهوة وشغف,مع وصفه بالرغبة الحيوانية الدنيئة,في المجمل المصريين شعب من الجهلة للأسف,لن أمشي مع القطيع وأعيش واحد من أخطر الأوهام الجمعية المتعلقة بعبقريتنا ونبوغنا,وأفضليتنا علي الدنيا وحقنا في أمومة الدنيا,أجل كل هذا عند الفراعنة العظام,أجدادنا المرحومين من رؤية ما آلت إليه الأمور,محمد علي أيضاً كان جيداً,وعبد الناصر كذلك,وماذا أيضاً؟لا شئ    أبداً,مجرد عبارات محفوظة تثير السخرية عن عظمة المصريين وعبقريتهم,وأننا لابد أن يقف الجميع لنا لأننا الفراعنة,"إحنا اللي أخدنا الكاس تلات مرات تلات مرات",تخليت عن الكثير من الأوهام الجماعية المسيطرة علي العقلية المصرية المخروبة بفعل أكبر جريمة حدثت في الأربعين عاماً الأخيرة وهي منع التعليم عن البلد وحرمانها منه,واستبداله بنظام منح الشهادات.


أغلقت الكتاب,وتوجهت معه للعيادة,وبعد العيادة أشار لي علي مبني الكلية,وبعد لحظات كنت أمام واحد من أفضل وأرقي الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي,كنت أمام"أستاذ جامعي"ربما يكون هو مع ثلاثة أو أربعة آخرين في البلد من يستحق هذا الوصف,وفي خلال تجوالي مع صديق أبي الشاب,وجدته كالآخرين,يعتبرني شخصاً يستحق العطف بسبب صمته ولاجدواه في الحياة,فقط كل ما يميزني في تلك الدنيا أن أبي يمتلك من النقود ما يجعلني لا أشغل نفسي بها,كنت أطول منه بكثير,فهو كما قلت ضئيل,وله ملامح طفل,حتي أن الطبيب لم يكن يعرفه فظنه صديقي وقال له ببرود"وأنت في كلية إيه؟"قبل أن يعتذر عن سوء التفاهم.





اليوم الخميس 3أكتوبر,لا زال البرد يخترقني والكحة تجرح صدري,سأؤجل ذهابي للخرابة حتي يوم السبت,آخر موعد للتسجيل يوم 10وبعد ذلك هناك 500جنيه غرامة تدفع!!!


تثور الشائعات عن فساد رجل الأعمال محمد رجب,تتناقلها الألسن وتنشر علي صفحات الجرائد,تلك الشائعات أنا أصدقها,هل يتحقق الغني الفاحش في دولة من العالم العاشر,يأكل أبنائها من صناديق القمامة مع الكلاب الجربانة إلا عن طريق فساد؟!! يتساءل سيد حجاب في تتر مسلسل الوسية وبصوت استنكاري من محمد الحلو ينفي ويستنكر"مين اللي قال الدنيا دي وسية؟!"وأنا أريد أريد أن أعرف هذا الحكيم القائل تلك العبارة المعبرة عن الواقع المصري,فمصر مأخوذة دوماً بوضع اليد,هذا المسلسل محفور منه مشهد في ذهني لا أنساه كأنه يحدث أمامي,شاهدته طفلاً,تعاودني بدون مناسبة صورة أحمد عبد العزيز الفقير الغلبان المستضعف وهو يمرح في البحر,مستمتعاً بشعرة سعادة قد لا تتوفر لأمثاله طوال العمر,لكن مجئ الباشا يفسد عليه تلك الفرحة البريئة لتنقلب رعباً,هذا كل ما أذكره عن هذا المسلسل,والجزء الأول من الرواية المأخوذ عنها المسلسل,أراه من خلف اللاب توب علي المكتب,موضوعاً بين عدة كتب قديمة ومتربة ووسخة اشتريتها من النبي دانيال,وندمت علي ذلك لأنها لا تقرأ تقريباً,من يعش في مصر يدرك جيداً أنها وسية...وسية لمن نهب وسرق واعتدي.


هاجر إلي مصرقادماً من مانشيستر عام 1917 جوزيف سموحة عميد عائلة سموحة اليهودية التي تعود أصولها إلي بغداد,أسس شركة لتجفيف الأراضي عام 1930,واشتري منطقة مستنقعات بمنطقة سيدي جابر,قام بتجفيفها,وكانت تعرف قبل التجفيف ببحيرة الحضرة,بني فيها سموحة فيلل للسكن وجعل الباقي حدائق فاكهة,تلك المنطقة تعرف اليوم باسمه,اشتهر جوزيف بسخائه بين اليهود في تمويل المشروعات التي تخدمهم,فأسس المستشفي الإسرائيلي بسيدي جابر,وانشأ نادي سموحة المعرف اليوم بنفس الاسم,أما محمد رجب فقد بني فاروس ليستنزف أموال المصريين مقابل إلقاء أبنائهم في خرابة تجعلهم أفراداً أسوأ,ولمن يعترض أو يفتح فمه فالأمن بعصيانه الغليظة,والإدارة بتعسفاتها وتنكيلها بالطلبة هما يده ولسانه, وضع يده علي شوارع وأملاك لا تخصه,اشتري الأراضي بسعر بخس,بينما كان جوزيف سموحة بانياً وممولاً لما يخدم طائفته وأهله,كان رجب أو"الامبراطور"كما يسمونه ناهباً ما لا يملكه.خسرت مصر كثيراً باختفاء العنصر الأجنبي منها,كانت الأسكندرية مدينة كوزمبوليتانية تجمع كل الملل والنحل والجنسيات,في سيمفونية إنسانية تسبح لرب السماء خالق كل تلك الأنواع من البشر,ليكونوا علي الأرض بقلب واحد وروح واحدة في الباطن,وفي الظاهر أشكال وألون وألسنة متعددة,ليتنا وقفنا مكاننا كدولة ومجتمع,تخلفنا وانحدرنا بصورة مؤسية,حتي لم نعد موجودين من الأساس,ووجودنا أصبح شئ مخجل أمام حضارات الأجانب,الذين كانوا معنا يوماً ما.


لن أنسي مشهد السيدة الباكية  في شئون الطلبة,الدعاء ينهال من شفتيها حاراً حارقاً؛لم أتبين من كلماتها التي خرجت بصعوبة بين كل شهقة شهقة سوي أشياء عن الدفع,والشهادة ومستقبل ابنها,وبجوارها رجل ربما يعرفها أو لا لكنه أخذ يواسيها برقة,ثم تمتم متحسراً"أكبر غلطة إن إحنا جيبنا ولادنا هنا,غلطة عمري والله"


مرة أخري...


هل ما كتبته وما سأكتبه سيشكل خطراً علي؟أنا لاأظن ذلك وإن كنت أتوقعه,كل شئ متوقع في مصر بلد العجائب,أنا لست شهيراً يخشي مني كلماتي أحد,وما أكتبه قد لا يلقي اهتمام أحد,لكن بلد العجائب كل شئ فيها يحدث,لكني أتشجع بنفسي,نفسي أنا فقط,ذاتي ووجودي,فلنقم كل ليلة بعد صلاة العشاء بثورة,وكل يوم عند العصر ثورتين,لن يتغير في بلدنا شيئاً ما دمنا لم نتغير نحن من داخلنا,أنا جبان وأخاف من أشياء لا تحصي,ربما ورثت الخوف والقلق من والدتي,أخاف علي مستقبلي لو غضب أحد )من تسجيلي ذكرياتي وإبدائي آرائي وتعبيري عن نفسي( ,(وتعسف معي واضطهدني ليعاقبني علي ما نشرته في المدونة)...مين اللي قال الدنيا دي وسية...لكن شاب المدرعة في الصورة الشهيرة,ومنظر الشباب في محمد محمود,وبطولة أهل الميدان يمدونني بالشجاعة,الحياة في هذا البلد بيت رعب كبير,لا يأمن فيها أحد علي نفسه,لكن آن أوان المواجهة,المواجهة مع الذات والحياة,حتي متي سنبقي شياطين خرس يكتمون الحق,ونحن نجاهر بتقوانا وحجنا وصيامنا وصلاتنا,مُظهرين قشور دين الفقهاء,تاركين جوهر دين الله؟!!!


تنجح الثورات حين نصبح ثائرون بلا هتاف,ثائرون في حياتنا علي الأوضاع المقلوبة,مصر كلها وضعها مقلوب,يدمي قلب من يحبها,ويدفعه للبكاء,فلما لم يجد البكاء,وجدنا من يستعد ليدفع دمه وحياته لينعدل الوضع,ونعيش أحراراً في وطن لا يعرف الخوف,هذا حتي الآن لم يتحقق,حين يتحقق سنقول في وجه كل رافض ومتردد أن يناير كانت ثورة عظيمة جاءت نتائجها متأخرة بعض الشئ بعد معاناة شديدة,وهكذا تكون الأعمال العظيمة,أفكر مثلاً منذ فترة في كتابة عمل ملحمي عن مدينة دمنهور تقع أحداثه في مائة عام,وأعرف أن هذا العمل قد يستغرق مني سنوات طوال-لو كان لي عمراً-في البحث والكتابة,وربما العمر كله,من يريد العظمة عليه أن يدفع الثمن العظيم.


هذا أوان المصارحة أن نكون أو لا نكون,كفانا تصورات خاطئة واعتبار أن المستقبل هو مجرد العيش,المستقبل هو تعب الحاضر وتضحياته ليولد جيل ولادة جديدة,بأدوات جديدة وبعوامل جديدة,منها الدم والتضحية والإصرار,الثورة مستمرة,مستمرة بنا نحن من يحملونها في صدورهم,يوم يتخلي عنها أحدنا فهو يعلن وفاتها...ووفاته,لا خير في مستقبل يحمل معه نفس ظروف المعيشة اللاآدمية التي نعيش فيها كشعب مجلود,كشعب جاهل,كشعب متخلف ورجعي,الحقيقة كالدواء مرة,ولو لم يفهم المنبطح الواقع أرضاً,أنه واقع منبطح سيعيش هكذا أبداً وستدوسه الأقدام وتهرسه الأحذية,لو صارحنا أنفسنا بشجاعة وواجهنا حقيقتنا التي نغضب ونثور ونلعن كل من يعلن عنها مشفقاً,محذراً راجياً,وحاولنا علاجها,سننجح والله في تغييرها ونعيش كشعب عزيز,كشعب متعلم,كشعب متقدم وحداثي....يارب يا قادر علي كل شئ,حقق لنا رجاءنا,لو اجتهدنا وعملنا وكافحنا وحاربنا لذلك,اسمع دعاء قلوب فهمت ووعت وصممت علي التغيير,ولو لم نكن كذلك فنحن نستحق مانحن فيه, ارحمنا فالقاع والانحدار لا يعرفان نهاية,والأسوأ دوماً موجود.


وللتنويه:أنا أقول (رأيي),لا أملك الحقائق ولا وجود للحقائق إلا في أذهان من يؤمنون بها,ويصدقونها,ربما أكون علي خطأ قبل أن أكون علي صواب,الأكيد أن ما أنفعل به ويستثير وجداني ومشاعري أعتبره أنا حقيقة,وقد يعتبره غيري هراء لا يستحق,وأباطيل لا صحة لها.





الحياة تثقل علي وتؤلمني بسياطها المسننة المنقوعة في اللهب ,لابد أن أتخفف منها, ليس لي غير الكتابة سبيل...أحداث لا تهم أحداً علي الأطلاق,تهم فقط المهموم القابع بداخلي ينخر في نفسي,لن تؤخر وأكيد لن تتقدم شيئاً,إني أنتهي بطريقة أو أخري بسبب تلك التجربة المأساوية,أنا هكذا تؤلمني أقل الأشياء وأبسطها,وطوال هذا العمر لم أستطع معايشة الألم والتعود عليه,إلا مؤخراً,حين قررت أن أعيش حلوفاً لا أفكرفي شئ ولا أشعر بشئ,وتسربت الراحة إلي نفسي قليلاً,نسيت نفسي وتخليت عن أنانيتي,و"أناي" أناي التي أفكر فيها طوال الوقت,زهدت في أطماعي الكثيرة في الحياة,وحمدت الله علي نعمة الصحة والستر وأنه رفيق بي وبعائلتي ويشملنا دوماً برحمته.أسبوع فقط مر في سلام نفسي داخلي,لكن الأحزان الإنسانية ما تركتني أنعم,احتلت الحيز الذي كان تشغله نفسي وأطماعها,عزيت نفسي أني لا شئ أنا لست حقيقياً,أنا فوتوشوب في صورة الحياة,فوتوشوب لا يلفت نظر أحد يمكن أن يخدع غير المتخصصين أنه حقيقي...ولأني فوتوشوب فأنا أحاول قراءة الصورة التي وضعت فيها.


الجمعة 4أكتوبر,غداً سأذهب للتسجيل,وسأدفع النقود كمغفل بعد 6أكتوبر,6أكتوبر بالنسبة لجيلنا فقط مجرد إجازة رسمية,عمران فرحان بها لأنه لن يري الشناوي في كلية الهندسة هذا الأسبوع,د.الشناوي مصمم أن محرك محرك سيارة الفيات أفضل من البي إم دابليو,لم يذق جيلنا فرحة نصر ولا مرارة هزيمة,جيل لا وطن له يحلم أبناؤه بالهجرة بأي ثمن,يريد الهروب من الخرابة الكبيرة التي يعيش,حيث "وطنك متباع سرك متذاع الدنيا حويطة وانت بتاع",كما يقول غلبان الأبنودي لنفسه,جيلنا لا يعرف شيئاً عن الوطن,مصطفي كامل زعيم هذه الأيام وموسيقارها هو من عبر عنه بصدق حين قال"عم قول يا رب بس قول يا رب",و"صعبة الحيااااااااااة أوي",ارتكب في حقنا جرائم لم تكن أولها انعدام التعليم والوطنية,وليس آخرها تهميشنا ووصفنا بأوصاف مخزية,نحن من ظهر للحياة فوجد نفسه"محروم"حتي من يعيش في غني مادي,فهو لابد محروم طالما يحيا في مصر,وأنا أيضاً سعيد لأن 6أكتوبر أجازة,حتي لا أري من كانوا يغشون جماعياً ويكتبون علي أيديهم ثم يمسحوها في الحمام,وقد أصبحوا معيدون يدرسوا لنا و يراقبون علينا في الامتحانات!!





3





بعد أن أشار لي صديق أبي علي المبني,أخذت نجيب محفوظ  وخان الخليلي في يدي بعد أن ودعته,وأكدت أني إذا احتجت أي شئ سألجأ إليه,لم يكن أشرف توفيق(اسمه الحقيقي) موظفاً يريد قبض مرتبه,أو ذا سلطة يمارسها علي الطلبة المستضعفين,ولا كان يريد أن يتملقه أحد ليشعر بذاته,كان "أستاذ جامعي"بحق,ونحن جيل لا يعرف ما هو الأستاذ الجامعي,ولا يعرف ما هي الجامعة,يعرف الامتحانات والشهادة والوظيفة,يحكي علاء الأسواني عن أستاذ له في كلية الطب,كان يبدأ محاضرته بشرح مقطوعة موسيقية,ثم يبدأ في شرح المادة العلمية التي تفيد الطلبة في دراستهم, ذلك والأستاذ علاء علي يدفع سوي جنيهات معدودة,من ذلك الطراز كان د.أشرف,يحدثك عن كارمينا بورانا,أو عن طرفة لغوية,ثم يطلب منك الذهاب معه إلي ندوة أو مناسبة ثقافية,يجمع الطلبة حوله,ويذهب بهم,ولن أنسي أنه طالما تمني أن أذهب معه إلي أي فعالية أو مناسبة,لكن انطوائي واضطراري للسفر اليومي منعا ذلك,ولا داعي لقول كيف كنا نستفيد منه في مادته,وتشجيعه للجميع بصفة مستمرة,الأستاذ الوحيد الذي رأيته علي الطبيعة في حياتي...لو في كل جامعة مصرية من هم كأشرف توفيق,فلن تكن اليابان أفضل منا,واحد منه فقط بكل أعضاء هيئة قبض المرتب واستعراض العضلات والاستبداد بالطلبة والتنطيط عليهم.





دخلت في أول يوم للمدرج الخاطئ,لم أجد أحداً,جلست مع أحمد عاكف في خانه,والمعلم نونو في مقهاه,ثم دخل هو ببذلته وشنطته وهيئته الفنية,كان يشبه رساماً في بداية القرن العشرين,وقلب الرواية ليطلع علي عنوانها,ثم سألني"خان الخليلي...نجيب محفوظ.اشمعني خان الخليلي؟"فرحت لأن هناك أخيراً من يشاركني في عالمي,وهو أيضاً أستاذي في الجامعة,"أصلي عايز أقرا الأعمال الكاملة","طب وإيه رأيك في الفيلم؟"لا الفيلم ده من أفكار عاطف سالم وكاتب سيناريو تاني مش فاكر اسمه",فوجدته تحمس وقال لي"اسمك ايه؟إنت معايا"لم أرد لأعرف معه أين,"إنت إنجليزي؟""لا","أصل بتوع انجليزي ما بيعرفوش الحاجات دي",لا أعرف متي عرفنا وكيف أننا في المكان الخاطئ,وأنه هو يجب أن يكون في مكان وأنا في مكان آخر اليوم علي حسب الجدول,هذا العام أنا أعتبره عام أشرف توفيق,هذا الرجل من الشخصيات التي لا تنسي,ولا يمكن إلا أن تشعر بآثارها معك,كان عمله معي يشبه عمل يوسف زيدان,كلاهما يجعلانك تؤمن بنفسك وبالوطن,في وقت كل الناس تحقر منك وفي الوطن,وتسب لكما الدين والملة,بعد أشرف-سأتحدث عنه كثيراً بعد ذلك,وربما عنه فقط في ذلك الفصل-تعرفت علي شخصية أخري,معيدة أمية,فإذا ارادت أن تكتب كلمة الكمساري,كتبتها"الكمثري",وإذا حاولت وضع كلمة "استفاضة" علي السبورة ترددت وحارت فيها,ثم تضع كلمة أسهل,ممن يصدق عليهم وصف"عايشة الدور",في البداية كانت جيدة في تعاملها معي وأحببتها هي أيضاً كأشرف,مع الفارق طبعاً,لكنها لم شعرت بعد ذلك-وكان ذلك عقب رحيل أشرف-أني لا أصدق كذبتهم التي يعيشون فيها,تغيرت وسيكون معها عدة مواقف,آخرها رسوبي في مادة لا يحق لها تدريسها أصلاً!!


أعطاني كتاب السيناريو لسيد فيلد,ومعه كتاب نجيب محفوظ علي الشاشة لهاشم النحاس,لأقرأهما,وحين طلبت منه رواية الشياطين لديستوفيسكي,لم يتأخر وأهداها لي وهو من أشار لي علي عمارة يعقوبيان(البناء)ونحن في رحلة للقاهرة,وهو من كان يحجز عني بشاعة الخرابة,وفي آخر مكالمة بيننا كرر علي سمعي"عايزك تقرا كتير,إنت ولد موهوب....."وللأسف لا أذكر الآن لفظ ولا معني ما قاله بعد ذلك,حين كان ينصحني بالقراءة كانت هند المعيدة,تقول في استياء وقرف حين تراني أهرب من كلامها الساذج,الذي تعتبره محاضرة"إنت كل ما تشوفني تقرا!!!,ووالله من سذاجته لا أعرف كيف أكتبه,كل مايمكن ذكره وما أتذكره طوال ثلاث سنوات كانت تضيع وقتنا فيهم,"يعني أنا مثلاً باسمع صوت البيبسي وهو بيفتح في الإعلان,فريقي بيجري وبابقي عايزة اشرب بيبسي",ذلك أهم ما ذكرته علي الإطلاق منذ أن رأيتها أول يوم حين كانت معيدة,حتي منحتني الإف وبعد ماجيستير عن السيت كوم كما سمعت.


في آخر التيرم كانت رحلة تحت إشراف د.أشرف,قررت أني سأذهب خرجت من دمنهور في الخامسة حتي أصل الاسادسة ميعاد التجمع,لا أصدقاء لي فكان هو صديقي ومحدثي في تلك الرحلة العصية علي النسيان بسببه.في الحسين ذهبنا إلي مقهي الفيشاوي لكن الزحام منعنا من الجلوس,تجولنا وهو يحكي عن المكان ويريني الآثار ويشرح لي ما هي وكيف بنيت,وما هي قصة أغنية "يا حنة يا حنة ياحنة يا قطر الندي"يرددها مغنياً في أثناء تجوالنا بين الآثار.تعبت من المشي,وفجأة وجدنا مقهي يذيع أغنيات أم كلثوم وأمامه تمثالين بقدر بساطتهم كان جمالهم وعبقريتهم واحد لنجيب محفوظ بالنظارة يحمل كتاباً وهو سائر,والآخر للست بمنديلها مغنية للحبيب,قررت أن نجلس لنرتاح,كان د.أشرف لا يعجبه أني أدخن,وكنت لو رأيته أخفي السيجارة عنه هو فقط دون الكل احتراماً له لأني أعرف قدره وسط كل الهراء الذي عشت فيه سنواتي القليلة  الماضية,"لو عايز تجيب شيشة هات عادي" هكذا قال لي,وسمح لي بالتدخين حتي لا أشعر أنه قيد علي بل صديق مقرب,أشعلت سيجارة وجلسنا نتحدث,وتلك اللمحة تعطيك فكرة عن شخصيته,لما عرفت أنه قدم من معهد السينما,حكيت له عن تجربتي لالتحاقي بالمعهد"وإيه اللي خلاك تروح معهد السينما بالذات يعني؟","فجأة طفت علي ذهني حكاية قديمة جداً قرأتها لا أذكر أين,وبسؤاله البسيط هذا عرفت أنا أيضاً من أين جاءت فكرة معهد السينما هذه,ووجدت لساني يقول بلا وعي"أصلي مرة قريت إن سعيد مرزوق راح معهد السينما عشان يبقي طالب,فلما لقوه طالبينه أستاذ خبي أوراقه اللي كان عايز يقدمها",تشعب بنا الحديث مرة عن ماهر عواد السيناريست,ومرة عن نجيب محفوظ,وعن اللوحات التي كانت ترسمها الفتيات الجالسات في المقهي,كان د. أشرف يشبه سقراط في حبه للسؤال"إنت عندك كام سنة يا محمود؟"فجأة قال."18"اندهش,بس إنت شكلك أكبر ودماغك أكبر من سنك!", "والله 18,تحب نوريك البطاقة؟! يمكن عشان أنا طويل ومربي دقني شكلي كبير"


سأنزل للمقهي الآن,في مشتل كرم أصبحت أجلس مؤخراً,سأنزل بعد السادسة متحدياً الحظر,راجياً أن أجد مقهي يتحدي الحظر معي,حتي تجئ المدرعة بصحبة البوكس وتشخط في الكل.


رجعت في غاية الإنهاك والتعب حتي ظنت أمي أني شربت ممنوعات,بسبب اصفرار وجهي وهزالي الحاد المفاجئ,تحديت البرد في المقهي ودخنت الشيشة,وكانت لسوء الحظ ثقيلة علي الصدر,مع تعرضي لتيارات هوائية بادرة مفاجئة,مما نتج عنه مومياء فتحت المنزل لتستلقي علي السرير كالميت.حدثت عمران في مسألة كتابة ذكرياتي,مع أني كنت أريد أن أقوم بهذا العمل بسرية دون أن أطلع أحداً,حديثنا عن الخرابة وشكوتي منها جراني للبوح بذلك الأمر,"هيييييه قناوي بيكتب مذكراته",ذات يوم ومع اندماجي في فيلم باب الحديد قرر أن ابن عمتي ونحن جالسان في الدكان أن يطلق عليّ اسم كقناوي"صدق إنت فيك منه",لم أغضب وتقبلتها علي سبيل الدعابة,استيقظت في الخامسة فجر السبت,فجر خريفي بارد,يدفعني للبكاء حنيناً علي مجهول لا أدرك ماهيته,يتغلغل بداخلي معلناً اغترابي عن الحياة وعدم كفايتها تلك الناقصة البشعة لنعيش فيها.موسيقي هندية يبثها راديو مدينة البط,تزيد من هذا الشعور,أنا رجل دمعتي قريبة وأبكي بلا مناسبة,ولا سبب.


ساعات وسأذهب إلي الخرابة متمنياً أن يستيقظ مصطفي من النوم مبكراً ليأتي معي لنسجل,لو لم يأت سأذهب بصحبة إما مذكرات نجيب الريحاني,أو الغرف الأخري لجبرا إبراهيم جبرا,متحملاً نظرات الدهشة والاستغراب من عيون ركاب الميكروباص,وساكني الخرابة,من يحمل كتاباً في مصر ينظر له علي أنه غير طبيعي عادة....وتلك حقيقة فعلاً,هو "حنيف",معوج عن الأعوج؛لذلك يستقيم وسط المعوجين ويكون مثار غضبهم وسخريتهم؛لأنه يفضح اعوجاجهم الفكري علي الأقل باستقامته العقلية,لن أذهب بالتابليت اليوم,فأنا أريد أن آخذ فترة راحة من موسوعة قصة الحضارة ومشتقاتها,فديورانت الخالد بعمله هذا أجبرني,أن أبحث وراء كل فصل وخلف كل أمة وحضارة,وقد اقتنعت أن الحياة البدائية أفضل لي بكثير,بشرط ألا يطاردني أسد,أقرأ تلك الأيام عن حضارة سومر,وصعقت وحزنت عندما علمت أن هناك حضارة أقدم وأرسخ من المصرية,وربما يكون الفراعنة نقلوا عنها,ليست شوفينية,بل لأن أكثر شئ أفتخر به في وطني تعرض للخدش المباشر,أكتب منتظراً أسئلة يوسف زيدان الفلسفية,ما يفعله هذا العالم-وإن كنت لا أحبذ هذا الاسم إلا أنه أكثر اسم يناسبه-من عرض اسئلة ومنح جوائز عليها,لا يفعله أحد في تلك الأيام,وخاصة اهتمامه وتشجيعه لكل من يتصل به عن طريق الفيس بوك,يتعامل زيدان مع الفيس بوك بجدية شديدة,لايتسلي به,هو أدرك قيمته وعبقريته في التواصل وقدرته اللامحدودة علي تعرفه علي العقلية الشبابية التي يشعر نحوها بمسئولية أبوية لإدراكه أنهم خرجوا ليعيشوا في بلد لا تعيش فيهم ,صدرت لهم الجهل و التضليل والأوهام,وكل ما هو ضار عقلياً وجسديأ,وأخذت منهم الحلم والذات,فتجده يشجع هذا ويجيب علي ذاك برحابة صدر غير معهودة من شخص عادي حتي,وتلك مسئولية كل المثقفين في هذا العصر,التهرب سيكون عواقبه وخيمة علي الكل,العقل المصري يحتاج المتنورين أكثر من أي شئ آخر,إننا نعيش في ظلام أيها المثقفون,ما تلعبونه اليوم من دور,سيشكل ما ستكتبه عنكم الأجيال القادمة.


قال لي عمران"مرة كان حسام عيسي قايل في برنامج مش عارف إيه كده,إن 95%من الجامعات الخاصة المفروض إنها تتقفل"والله عنده حق",نظام الجودة في الخرابة هو ما يردده الجميع,قلت أن هناك من المدرسين ما لا يعرف يكتب,ولا يملك الحد الأدني العادي من الثقافة,ومن يمتلك هذا الحد منهم كـ د.حمدي مثلاً,يسألنا اسئلة من نوعية,"هو احنا انتصرنا ولا اتهزمنا في 67؟",هي الحرب العالمية الأولي سنة كام؟"سمعتها أنا الحرب العالمية الثانية,ولساني اندفع للكلام من ملل السكوت,"الله يخرب بيتك"قالها بصدق حقيقي,كل ملامحه ونبرات صوته تتمني خراب بيتي,يمتلأ حمدي زهواً بمن يتملقه ويا سلام لو أطلق عليه أحد وصف العالم أو تملقه,هو يعتبر هند"أستاذتنا",فلن أحدثك عن الطلبة!!!نظام الجودة يعني عدد ساعات وكورس انجليزي وكمبيوتر,رسبت في الأخيرتين حوالي ثلاث مرات,كانت المرة الأولي في التيرم الأول,وفي التيرم الثاني كنت حزيناً علي نقود أبي وعلي ذهابي ومجيئي اليومي المتعب في السفر والمواصلات من دمنهور للأسكندرية,تحدثت مع هند مباشرة عقب علمي النتيجة,متسائلاً إن كان رسوبي في ثلاث مواد يدفعني لإعادة السنة كالحكومة,لم تكن تعلم فهي أيضاً خريجة جامعة خاصة,"معلهش,إنت واحد من المتميزين عندنا ومبروك لمصر"بعد أيام من ثورة يناير كانت النتيجة,الوحيد الذي خفف عني كان أشرف عندما سأل عن سبب حزني الزائد"جاءني وأنا جالس علي سور السلم ناظراُ للشباك"إوعي تكون زعلان عشان المواد دي,بيقولوا إنك زعلان,بس إزاي ماتنجحش في الكلمتين الخايبين بتوع فاروس دول,هي صحيح لا ثقافة ولا حاجة إنما لازم تنجح,ولا مش عايز تكمل هنا كمان!!!"أشرف لن أنساه,أستاذ جامعي حقيقي,وإنسان طيب ومثقف فاهم,اجتمعوا في شخص واحد عرفته كان اسمه أشرف توفيق,لم ينخدع ولم يكن خداعه سهلاً مادام يري أن ما يحدث لا يستحق الاهتمام,أريد أن أتعلم منه,ليته بقي حتي اليوم,ربما ما كنت سجلت شيئاً لأني كنت سأجد عنده العزاء والنصيحة!!


وجود أشرف توفيق جعل تلك السنة تمر مسرعة.أكره الامتحانات وأكره السومريون لأنهم أول من وضعوا نظام المدارس,وحين أري الأستاذ الجامعي في الأفلام الأجنبية,والموظف الجامعي عندنا أشعر بالعار,وأتأكد ألا نهضة لنا علي الأقل خلال الخمسين عاماً المقبلة,في الامتحانات كل ما أريده أن أمشي من هذا المكان الشبيه بسجون الجستابو,ألعن التعليم الأكاديمي من كل قلبي وأتمني زواله كذنب بشري تاب عنه البشر,لم يقدم هذا النوع من التعليم للإنسانية سوي قشور لا تغني شيئاً,وفي مصر لم يخرج سوي قطيع لا يفقه ولا يعرف شيئاً,راجع مثلاً أخطائي النحوية التي مررت أنت بها-لو كنت وصلت حتي ذلك السطر فأنت بطل-وربما اللغوية أيضاً-خذ في اعتبارك سرعة الكتابة علي الكيبورد-,بلاش,انظر لأي بوست أو استاتيس علي الفيس بوك وتأمل كيف يكتب الناس,وأي أخطاء فادحة تثير الغثيان يقعون فيها,اكتف بي أنا أفضل,في الامتحان قبل الأخير,وأنا أحاول تقيؤ كل ما استطعت حشوه في ورقة الإجابة,جاء من خلفي وربت علي كتفي وهمس"كنت عايز اكتب لك إهداء علي الرواية عشان السنة الجاية أنا ماشي خلاص"لا يريدون المحترمين هناك,نحن في الخرابة ليس لنستفيد بل لندفع ويتم إيذاءنا كل أنواع الإيذاء,لم أعلق وسرحت.


في الامتحان القادم كنت أحمل له معي خطاباً,لحسن الحظ احتفظت بنسخه منها سأحضرها الآن من البلكونة التي قفلتها وحولتها لمكتبة,وضعته داخل رواية وقائع حارة الزعفراني لجمال الغيطاني,لم أكن أتصور أني سأحتاجه وسأطلع علي شئ كتبته مرة أخري,لا أريد ذلك,لكن لتكتمل الصورة سأنقله هنا مرة أخري محاولاً ألا أقوم من علي اللاب بين كل جملة وأخري,إلي الخطاب:"


أستاذي العزيز...ماذا نفعل وتلك هي الحياة!


أستاذي...كنت قد فكرت منذ أخبرتني برحيلك بداية العام القادم أن أهديك قصة أدبية-فهذا علي الأقل ما أعتقد أني أتقنه-لتعبر عن مدي اعتزازي بمعرفتك وحزني لفراقك,ولكن هناك نوع من المشاعر لا يمكن التعبير عنه سوي عن طريق المباشرة,والوضوح,دون الالتفاف أو المراوغة,وما أشعر به لا يحتمل محاولة وضعه في قالب معين,فاحترت ماذا أكتب...ولعلك تعرف أني من تلك الفصيلة البشرية التي لا تستطيع التعبير باللسان,,ومؤخراً أصبحت عاجزاً عن التعبير بملامح الوجه,لا أدري متي أصابني ذلك الجمود,ولا متي هبط علي ذلك الخرس الكامل,فاخترت أن أكتب ما يجري به القلم دون تفكير,لنحرر قلوبنا قليلاً ونجعلها هي من تتكلم,ولنريح عقولنا المنهكة قبل أن يصيبها الخلل من كثرة التفكير,أخبرك من الآن أني سأكتب عبارات مبتورة وأفكار غير ناضجة,ولكن هل تعلم أولاً أين أنا...ومن أين أكتب لك....في الحافلة العامة عائداً إلي مدينتي دمنهور في مشهد ممل ومتكرر أتجرعه حتي الثمالة يومياً من دمنهور إلي الإسكندرية والعكس, لم أستطع الانتظار حتي أصل إلي المنزل فقررت الكتابة في أسوأ ظرف ممكن,إذا كنت في نفس الحافلة الآن ستراني جالساً بجانب النافذة,استند علي ركبتي لأـمكن من الكتابة,بجانبي رجل سمج متطفل,عباءته وملامحه تصرخ هذا الرجل ريفي ولايعرف في حياته سوي الزراعة وحتي تلك عاجز عنها,احذروا فهو لا يفهم أي شئ آخر,ينظر إلي أوراقي ثم ينظر لي في بلاهة أعرفها جيداً ويضحك بدون سبب موجهاً لي الكلام بلا سابق معرفة:"بتكتب قصة حياتك دي ولاقصة حب دي هاهاهاها"نظرت إليه بطرف عيني لم أرد ولم ألتفت,يوجد نوع من الشر يعلم خالقهم وحده سبب وجودهم في الحياة وفائدتهم المرجوة,هذا الرجل واحداً منهم,صوت المحرك هذا يلتهم أفكاري كما يلتهم الوقود تماماً,والكمساري بحركاته العصبية يتحرك ذهاباً وإياباً...يبدو أني أفقد تركيزي,ولكن الكتابة كما تعلم غريزة كالطعام والشراب والجنس,تظل تلح حتي يتم اشباعها,أفكر أني سأعيد هذا الكلام  مستخدماً جهاز الكمبيوتر,فخطي فعلاً ردئ,ولا يقرأ,أحياناً بعد أن أكتب لا أستطيع أن أعيد قراءته,مع أني كنت أريدك أن تقرأ مباشرة بخطي ليصبح الأمر أكثر حميمية,ولكن متع الله الغرب بمنجزاته الحضارية المبهرة التي نستهلكها كزبون نهم لا يشبع,وإذا شبع لا يحاول أن يتعلم وأدام عليهم عقولهم المفكرة,وليساعدنا نحن للخروج من نكبتنا التاريخية,ويخلصنا من أعداء العلم والحرية ,بالمناسبة أكتب حالياً مسرحية عن ابن رشد كنت أنوي عرضها عليك بعنوان(لكل ابن رشد نكبة)أحاول من خلالها معرفة سبب تخلفنا وعداءنا للتفكير,وخوفنا من كل ما يمس المعتقد الديني,كأنه بناء مشيد علي هاوية نخشي عليه من مجرد الدخول إلي جوهره ومحاولة شرحه وتحليله,وكيف يتحكم السلطان في حياة الفيلسوف,أكتبها بمرجع واحد هو كتاب أستاذنا العقاد(ابن رشد),لماذا أتكلم عن ابن رشد الآن...بدأت فعلاً أفقد تركيزي,كنت أتمني حقاً أن تدوم معرفتي بك أكثر من ذلك,هناك الكثير من الأسئلة التي أحتاج إلي من يساعدني علي إيجاد جواب لها,وهناك الكثير من الحيرة أحتاج إلي من يبددها لي,أتذكر الآن أستاذنا العظيم وأبي الروحي نجيب محفوظ-هل أخبرتك أني أحلم به بعض الليالي؟؟يبدو أن هذا الرجل وجد عند الله السعادة والراحة,التي لن يجدها الذين كفروه وحاولوا قتله-في إحدي جلساته مع جمال الغيطاني عندما أخبره قائلاً"عشت حياتي بلا مرشد"إذن,ماذا كان يفعل أستاذنا سلامة موسي الذي اتصل به محفوظ منذ صغره وساعده في الكتابة والنشر,وأين كان أستاذنا العقاد,وأستاذنا طه حسين و.....و.......و....!!!!!وماذا يفعل جيلنا البائس الموجود في عصر مثقفين هم تلامذة تلامذة التلامذة لجيل الرواد العظام مؤسسي النهضة التي لم تدم طويلاً وفقدناها مبكراً,أستاذي...رواية ديوستوفسكي(الشياطين الجزء الأول)التي اهديتها لي موجودة في مكتبتي الصغيرة محاطة بأربعة كتب أخري في مثل حجمها هم(مصرن في القرن الثامن عشر دراسات في تاريخ الجبرتي,وفلسفة العلم في القرن العشرين وصفحات خالدة من تاريخ الأدب الألماني وكتاب النص والسلطة والمجتمع)علي نفس الرف الموضوع عليه أعداد مجلة الثقافة الجديدة والهلال وصفحات احتفظت بها من جريدة أخبار الأدب.لقد اضفت لمكتبتي الصغيرة عقلاً آخر من العقول التي أثرت في الحضارة الإنسانية وأخذت بيدها في سبيل الارتقاء والتقدم,بتثبيت دعائم الفكر الحر وفتح آفاق جديدة للعلوم الإنسانية,أجل جميع الكتاب في أنحاء العالم يقفوا في الصف الأول من الأبطال المساهمين في صناعة التاريخ الإنساني,الذين حدثنا عنهم توماس كارلايل أو النخبة المبدعة حسب تعبير أرنولد توبيني,أستاذي.....أستاذ الجامعة(الحقيقي)ليس هو أبداً من يحصل علي اعتراف سخيف من حكومة غبية ممهور بتوقيعات ناس لا يزالون حتي الآن منشغلين بزواج الإنسان من الجن,وتسخير العفاريت ووجوب التزام المرأة بالحجاب والنقاب أو ماذا يخفي من الجسد وماذا يظهر,أو حكايات غشاء البكارة وأساطير ليلة الزفاف,يحملون لقب دكاترة ولا يفكرون إلا في النصف السفلي فقط,واهملوا العقل والمعرفة حتي وصل الحال جامعاتنا المصرية إلي مسخ مشوه,إذا اهمل الطالب دفعه للتمرد ومحاولة تحقيق ذاته بطريقة أخري,وإذا استطاع أن يزرع في عقله بذرة أو مشروع جعلها ناقصة عاجزة قاصرة,ليس هؤلاء من يقررون لأحد بأنه مؤهل لتخريج أجيال لخدمة الوطن بإخلاص وتفاني,وللمشاركة في صناعة علم وفكر وحضارة لنعوض ما فاتنا,في ظلمات الجهل والتخلف والانحطاط الحضاري الغارقين فيه حتي آذاننا,بل أستاذ الجامعة( الحقيقي) من يعتم ببناء عقل واع وسليم ومتوازن لضمان وجود جيل قادر علي الدفاع عن الوطن من العدو العدة الداخلي قبل العدو الخارجي,والداخلي أخطر كما تعلم,وأنت من هذا الطراز النادر من الأساتذة القادرين علي بناء العقول المرجوة للخروج إلي نور الحضارة,الآن أنت تظن أني أبالغ أو أجامل,كلا ,قد أكون مخطئاً في كل حرف ولكن هذا ما يموج في صدري ويضطرب في عقلي,وليتني كنت أتقن فن المجاملة كنت استطعت عمل الكثير,...أستاذي...لا أعلم سبب رحيلك عن الجامعة ولا يهمني أن أعرف,هل نستعير عبارة شاعرنا الكبير محمود درويش(فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة)لنجعلها(فإن أسباب الفراق كثيرة من بينها ألم اللقاء)أجل اللقاء يحتوي علي ألم قاتل بسبب معرفتنا بحتمية الفراق,فقد كتب علينا أن نحيا في عالم التضاد حتي أصبح كلاً منا نقض نفسه أحياناً,أريد أن أخبرك أنه إذا قدر لي أن أنشر رواية أو أن يعرض لي فيلم,هناك مجموعة من الشخصيات التي قابلتها في حياتي القصيرة واختزنتها في نفسي لإطلقها فيما بعد عبر النصوص الإبداعية,أنت واحد من أهم تلك الشخصيات,إذا قدر لعمل أكتبه أم يري النور,ووجدته ابحث عن نفسك هناك علي الصفحات أوفي المشاهد,ولكن لا آمل في ذلك كثيراً,في عصر يتقاضي فيه لاعب كرة سفيه يركض بنصف سروال وراء كرة من الهواء مالايتقاضاه جميع كتاب مصر ابتداء من الكتابة علي جدران المعابد إلي اليوم,مما جعل أستاذنا توفيق الحكيم يطلق عبارته الشهيرة المملوءة حسرة وألم عند سماع أجر لاعب من اللاعبين"انتهي عصر القلم وبدأ عصر القدم",وإجبار أستاذنا العظيم نجيب محفوظ علي البقاء في الوظيفة رغم كرهه لها ورغبته الملحة في التفرغ لأدب,حتي يستطيع توفير احتياجاته من المرتب,الدولة تضن عليه,وتمنح الممثلات المبتذلات والراقصات المشبوهات ما يكفي لتفرغ أجيال كاملة في البحث والدراسة والعلم,هل تظن أن أبي حيان التوحيدي إذا كان حياً بيننا الآن هل كان قفز في نفس النار التي أحرق فيها كتبه؛لأنها لم توفر له الحد الأدني من الحياة الكريمة,إذا قرأ الصحيفة صباحاً وعلم أن المطربة أو الممثلة أو الراقصة قد تقاضت ملايين الجنيهات؛لبراعتها في إبراز النهد والردف هل كان سيعيش إلي المساء!!تشعر أني تكلمت كثيراً أليس كذلك...صدقني لا يزال هناك الكثير والكثير,لكني أشفق علينفسي من وضعي الآن,فقد عاد الرجل الجالس بجانبي ينظر إلي مرة أخري يتطفل,والكمساري يطلب الأجرة والحرارة ترتفع والمحرك قد  أًصابني بالغثيان,ولا تنتظر مني كلمة وداع في النهاية؛لأني كما أسافر يومياً إلي الأسكندرية أعود مرة أخري لدمنهور,مادمت أريد العودة.


لا أستطبع منع نفسي من الدعابة رغم علمي أن ثقيل الظل,احتفظ بتلك الأوراق فقد تطلبها منك إحدي المتاحف.هل ممكن أن تجيبني الآن ماذا نفعل وتلك هي الحياة؟"


نص الخطاب,طبق الأصل.


خاتمة





بعد ساعتين علي الأكثر سأسافر للتسجيل,نويت ألا أكتب ذكريات السنوات التالية,ربما تحتاج إلي رواية أخري مفصلة,أحببت فتاة لم تشعر بوجودي ربما,وأمامي الآن علي الشاشة خدش,سببه أن المعيدة ساندي وهي كهند تماماً,كانت تلقي هراء من نوعية,"آه...عادل إمام يطلع شجيع السيما وهو إيه قد كده-مشيرة بإصبعين دليلاً علي ضآلة الجسد,وإمام فنان حقيقي له بصمة لا تنسي علي كل من شاهده-فالامتحان يجي إزاي مثلاً,كنت أنا اثناء ذلك أطلع صديق لي علي أميات نجيب سرور,وهو يضحك,فانقضت علي اللاب توب بأظافرها وجذبته بقوة وأغلقته بعنف,وكانت تعتبر طيبة بالنسبة لآخرين!!لم أدخل قسم صحافة,فلم يكن يوجد في تلك السنة قسم صحافة!!!صرخت هند في وجهي بغيظ عدائي"اسكت!!مادام مابتجيبش حاجة اسكت"كانت تريد كوبي وبيست من علي الانترنت,لو لم يكن لجيلنا انترنت كيف كان سيبحث,كلهم يحضرون نفس الشئ من أول لينك,والكل هناك سعيد,مرة أخري أحرجتني أمام الطلبة كلهم"....عشان تنجح عشان الفلوس اللي انت ناحر أهلك فيهم"تبدو محققة نفسها عندما تمارس استبدادها الطفولي الساذج لتخيف الطلبة البائسين الطامعين في الدرجة, وأخيراً أسقطتني بالإف في مادة لا يحق لها تدريسها أساساً!!جدير بالذكر أني أسوأ طالب في الكلية كلها راسب,لا يشارك في أي شئ,صامت كأبله,لا يعرف شيئاً عن محاضرة من ثلاثين أو أربعين كلمة تكتب علي الموقع,يوماً سأسجل عن ذكرياتي تلك أيضاً,اردت فقط أن اتخفف من البدايات,والبدايات هي الأصول.


وأن أشعر بوجودي بسردي لذكريات مررت بها,أغفلت ذكريات ونسيت أشياء,وأجلت ذكريات,وكل ما كتبته حدث,وما لم أكتبه ربما لم يحدث,وربما ينتظر في درج آخر داخل عقلي حتي يقرر الخروج,الأكيد أن قلقي أصبح أقل ولم أعد أخشي من الخرابة وسأواجهها بشجاعة,فهمت الآن لماذا تغني الهندي في الزورق الذي شاهده كازانتاكيس وهو يجرفه التيار نحو الهاوية"لا أخاف من شئ,لا أطمح في شئ أنا حر"





تمت

هناك تعليق واحد:

  1. لقد دخلت لمعرفة مستوى الجامعة التى الحقت ابنى باحدى كلياتها العلمية فوجدتنى بين دفتى ما سطرته ايها الاديب الفذ فى زمن ضاع فيه كل شئ وانا اشكرك على الوقت الذى قضيته معك من خلال ما سطرته وارجوا ان تفتح الابواب المفلقة امامك لكى نرى غى هذا الزمان اديب مثلك

    ردحذف