الأحد، 13 أكتوبر، 2013

رسالة المعري وكوميديا دانتي



ثالث سؤال أجيب عنه من أسئلة يوسف زيدان بعد 
http://wwwmahmoudkadrycom.blogspot.com/2013/10/blog-post_1.html

 هل تأثّر "دانتى" فى كوميدياه الإلهية ، حقّاً ، بأبى العلاء فى رسالة غُفرانه . . أم هو مجرد تشابهٌ عَرَضى ؟
كلما ابتعد العرب عن ركب الحضارة,وتخلفوا عن العالم والعلم,استغرقوا في الأوهام أكثر وأكثر,ولما لم يجدوا في حاضرهم شيئاً يتفاخرون به,شئ يكون أصيلاً لهم يستحقونه,هم من فعلوه وحققوه دون معاونة أحد أو مشاركة آخر,كلما تمسكوا بالتراث ومجدوا فيه-وهو يستحق أكثر من التمجيد-لكن تمجيدهم لا يأتي إلا عن طريق الهجوم علي الآخر وإعلان أفضليتهم عليه,تلك هي النفسية العربية في الفترة الطويلة البائسة الماضية,يحقرون من الآخر فيما بينهم لو كان مختلفاً عنهم,والآخر الغربي,ولا يعترفون له بأي فضل علي اعتبار أنهم هم "أول من"يلقون تلك الأسئلة علي الصغار فيعيشوا في عصر آخر وزمن مختلف,ليغرقوا هم أيضاً في الأوهام ويستمر الدوران في حلبة الضياع..ليتنا حين نتحدث عن التراث العربي القديم نُخرج أنفسنا نحن المعاصرين من هذا المجد,ربما نقف علي حقيقتنا المخزية!!
يحلو لبعض النقاد والأدباء الفخر أن المعري الأديب العربي الحائر-ربما-المحير-أكيد-هو من اقتبس عنه دانتي الغربي ملحمته "الكوميديا الإلهية",وفي الوقع هذا أمر مخجل,وينم عن انعدام الأدب عند الأدباء!فالفارق شاسع بين العملين,الظروف هي ما يتشابهان فيها.
حياة العباقرة في كل العصور يشوبها دوماً الأسي والحرمان,يتعرضون في حياتهم للإيذاء والسخرية,والتعريض بهم وقد يصل الأمر الإعدام والموت كما حدث مع دانتي وقرار السياسيين بإعدامه,وكما حدث مع الحلاج,ولو لم يكن المعري رجل ذكي أريب,يجيد الاحتياط والتحوط رغم كل ما كان يبثه من أفكار كانت كفيلة بإهدار دمه,لكن حظه كان جيداً بسبب ظروف عصره السياسية ومحيطه الاجتماعي,وتلميحه بلا تصريح,كان المعري رهين ثلاث محابس,جسده,وعماه ومنزله,أي كان منفياً أيضاً كدانتي,وقد يكون منفي المعري أصعب من دانتي,كلاهما لم يجدا في عصرهما من يقدر عبقريتهم,فقد كان المعري يتلقي رسائل يدعي يها لترك الكتابة والبحث عن معاشه واشتكي من فقر ذات يده وبؤس طعامه,ودانتي تعرض للجوع والتشريد وذل الحاجة في المنفي,وقد أثرت في نفسيته شعوره بالذل أمام الأمراء,والأعمال التي كان يؤديها لهم,كلاهما لم يجدا جنتهم ولا حياتهم في الأرض,وكأي فذ تضيق به الأرض علي سعتها بالنسبة للعاديين المغفلين الناظرين تحت أقدامهم,اتجه كلاهما للسماء,حيث يجدان أرواحهم وأصدقائهم الروحيين ممن لم يعاصرونهم,رغم تأثرهم بهم.
أيضاً لهما في الاسم نصيب فهو"أبو العلاء"والآخر دانتي أي ذا الجناحين,من الممكن أن يكون للإنسان في اسمه دليل عليه,فالاسمان دلالة علي التحليق والسمو فوق الأرض!!وهو ما فعلاه فعلاً وخلدهما في تاريخ الإنسانية,كرجلين عبقريين صعدا للسماء,ومن فرط صدق دانتي مثلاً كان يقال إذا مر من أمام البعض"أن هذا هو الرجل القادم من الجحيم",والجحيم هو النشيد الأول والأكثر تأثيراً في كوميدياه,وليس الكوميديا بمعني الهزل,بل معناها أنه نص كُتب في باللغة العامية,تلك اللغة التي ستصبح فيما بعد اللغة الإيطالية,المساهم فيها دانتي بنصيب وافر عظيم,عكس المعري الذي يقرؤه غير المتخصص اليوم بقاموس لغوي كأنه يقرأ لأجنبي,والمعري معذور لغربته اللغوية وتفذلكه المثير للغيظ أحياناً,كأنه لا يريد أن يطلع علي عبقريته إلا من هو في نفس مستواه العلمي والأدبي!
الاثنان عباقرة,الاثنان خلدا أنفسهما في الطريق السماوي الذي يبحث عنه البشر طمعاً في الهروب من جحيم الحياة,وجحيم الحياة لا يشعر به سوي من هم في رهافة دانتي والمعري,من فكروا وقدروا واعتبروا,فوجدوا أن السماء هي الموطن الخالد الأبدي للبشر الفانيين علي الأرض,البشر المتقاتلين علي اللاشئ,ناسيين أن هناك حياة أخري خالدة أبدية,تنتظرهم,كأنهما أرادا تذكير البشر بذلك,كأنهم أخذا من الأنبياء بوق التنبيه ليرفعوا نظر الناس للسماء مرة أخري بعد أن غرقوا في ظلمات الجشع والطمع والحسد  وكل الموبقات التي لا تزال تأخذ بروح الإنسان وعقله,"لتصفيهما"معنوياً ليوضع في قالب مادي بشع,ناسياً أنه من الأثير كان وللأثير يعود علي هيئته الأصلية كروح,مبتعداً عن الجسد وأوساخه وعن النفس وأدرانها ودناءتها التي تغلب الواحد منا علي أمره.كلاهما تركونا نحن الصغار أمامهم وهربوا,هربوا حيث الملجأ والنهاية,هربوا إلي مبدأهم ومنتهم.

الرسالة والكوميديا لا صلة لهما ببعضهما أصلاً,إلا إذا عدنا للأصل الإنساني العام للفكرة,العبور إلي العالم الآخر والحكي عنه كرحلة خيالية,تثير الخيال الإنساني وتشبع شهوة البشر لذلك المحجوب عنهم,سومر هي أقدم حضارة معروفة-حتي الآن-نجد في أدبهم عن جلجامش وملحمته وأنكيدو,والذهاب إلي العلم الآخر وسؤال جلجامش عن أحواله ورغبته في معرفة أحوال صفات معينة للبشر هناك,وعند الفراعنة "الخروج إلي النهار",حيث الحقيقة الجليلة المضادة للعبث الكوني الحادث في الأرض المظلمة بالبشر,والكاتب المسرحي الساخر أريستوفانيس حين أراد السخرية من سقراط تخيل أيضاً رحلة لعالم هاديس,في مسرحية الضفادع,الإنسان منذ خروج آدم من الجنة,وهو يبحث عنها ويحاول أن يعوض حرمانه منها في الأدب والخيال,وحتي الآن نجد أن السينما العالمية ملأي بأفلام عن تلك الرحلة من أجملها فيلم روبين ويليام-شاهدته قبل قليل!!- What Dreams May Come
وسيظل يبحث عنها حتي في أحلامه!
رسالة الغفران رسالة فكرية مليئة بالاقتباسات والاستشهادات أخذت ثوب المسرحية,المقصود منها الرد علي رسالة ابن القارح,وقد لعب خيال المعري دوراً في ذلك الرد,فقد صعد للسابقين الأولين في القسم الأول,عن طريق ابن القارح بطل (المسرحية),فهي ليس عملاً أدبياً بقدر ماهي عمل فكري يطرح فيه المعري مسألة في غاية الخطورة,ولم تثر الانتباه وقتها حتي كان كتاب طه حسين الشهير العظيم الجرئ عن الشعر الجاهلي,فالمعري هو أول من شك في الشعر ونسبته وتكلم عن المنحولات والسرقات الأدبية,ونسب أشعار لغير قائليها في أكثر من موضع,ولم ينج آدم حتي من ذلك الخداع الذي مارسه بعض الشعراء علي التراث والتاريخ,فهو من شكك في نسبة القول القائل,ونبه في أشعاره علي هذيان وخلط وكذب الرواة,وامتلاء المتون والشروح بالأكاذيب المتعمدة للخلط والتشتيت,وابن القارح أيضاً ألمح في رسالته بذلك,فالمعري هو الشكاك الأول المتشكك الأخطر في التراث كله,وهو السابق لطه حسين وديكارت في ابتداع الشك واتباع منهجه,رسالة الغفران لو لم يضعها المعري في ثوب سماوي,لكانت ككل رسائله,وما لاقت تلك الشهرة الذائعة لحد التأكيد في مناسبات كثيرة,علي تأثر بل وسرقة دانتي العلنية له!!
الكوميديا الإلهية هي عمل أدبي قبل كل شئ,ابتدعه خيال عاشق لمحبوبته,التي ستهديه للفردوس,الخيال والتشبيهات والوصف جعلوا منها عمل أدبي خالد تأثيره لا يزال يمتد حتي الحاضر,عند كافكا وأدباء الرعب عكس الرسالة التي لم تجد أبناء,فرسالة المعري لا تداني كوميديا دانتي الأدبية الخيالية,فالخيال هو العنصر الأول في الكوميديا بينما في الرسالة اللغة والأشعار والرواة والنحاة وكل تلك العلوم الفكرية هي من تتسيد في قالب مسرحي بدائي,بينما الكوميديا نجد فيها من الفن ما لا نجده عند المعري,وهذا لا يعيب واحد ولا يميز واحد؛فهدف المعري من عمله غير هدف دانتي,المعري رجل بُعث له برسالة فرد عليها بصورة لم تكن سائدة في زمنه,بينما دانتي عاشق ولهان ألهمه حبه وهيامه بالصعود حيث يصف الأخطار التي واجهها,والساعات التي عاشها ليصل لبياتيرشي المحبوبة في الفردوس,وكعادة كل حب خائب وعشق حرم من الحياة,استبدل المبدع الواقع-الواقع فعلاً في الحضيض بالخيال والسمو مع الحبيبة,عمل دانتي أراد به بعد ذلك رد الاعتبار لنفسه والانتقام ممن آذوه بوضعهم في الجحيم,ومن لم يعجبه من الشخصيات الخيالية,دانتي عوض نقص قدرته الأرضية,بكونه جسداً يتفرج علي الأشباح وهي تتعذب وتتألم,يري أعداؤه يُنكل بهم ويتم إيذائهم,بينما هو يمارس السخرية أحياناً والتعنيف القولي والبدني أحياناً,المعري كان يريد وضع رسائل فكرية وتاريخية بجفاف مباشر للرد علي ابن القارح,بينما دانتي أراد أن ينتج عملاً فنياً في المنفي حيث كان يتعرض وهو وحده بعيداً عن أهله للعذاب,وللإهانة,فاختار صحبة فرجيل وقد تأثر برحلة النبي محمد وجبريل في الإسراء والمعراج,فكان فرجيل مرشده ودليله للعالم السماوي,ومنقذه بطلب من بياتريشي.
سأقولها رغم كل ما يمكن أن أجد من اعتراضات ممن وضعوا أنفسهم السادة علي الآراء,وحراس علي التراث والتاريخ,والمتعصبين ممن يتشنجوا حين يواجهون بما لا يحبون:الكوميديا الإلهية أفضل وأجمل من رسالة الغفران من الناحية الفنية والأدبية,التأثير المتروك في نفس قارئ كل من العملين يحكم لدانتي بذلك,المعري لم يكن فناناً في الرسالة,عكس دانتي في الكوميديا نحن هنا أمام عمل فني من الدرجة الأولي,رواية تحمل كل صفات هذا الفن رغم البعد الزمني,فالكوميديا ابنة العصور الوسطي تقريباً,وقد أثرت في كتاب الرواية الغربيين فتغريب كافكا ورعبه,هي دلالات علي فنية دانتي وأسبقيته في وصف العجائب والغرائب السماوية,من الناحية الروحية أيضاً عمل دانتي أسبق وأعمق,فبينما نجد أن ابن القارح مشغول مع الشعراء والنحاة,ومحاولاً التزلف طلباً للنجاة بصورة أقرب للسخرية من المؤكد أن المعري قصدها,نجد أن الدلالات المسيحية تمتلئ بها العمل,فهو صعود ومعراج متكامل,بداية من ضياعه في الغابة المظلمة,وانتهاء بالفردوس,وعمل دانتي إنساني أكثر فهو يتحدث المشاعر والأحاسيس,وتزخر الملحمة بالشخصيات الإنسانية بكل الجنسيات,بينما نجد المعري مقيداً بثقافته هو مسجوناً في لغته ونحوه,دانتي كان يريد أن يحكي حكاية شعرية فكان الأدب والخيال والأفق الرحب,المعري رد علي رسال بمثلها فكان الإيجاز والاستشهادات ومن قال وماذا حدث,وحادثة فلان و تواريخ علان.
الأثر الإنساني العام وتأثر دانتي بعدة ثقافات واضح جداً في الكوميديا ولا يحتاج للشرح,لا يوجد عمل أدبي خال من التأثر ولو بقدر محدود يخفي علي من لا يقرأ قراءة نقدية متفحصة,وليس عيباً ولا يضر واحد أن يتأثر بواحد و تاريخ الأدب العالمي عندنا لنعرف ونقارن.
لكن بالنسبة لتحديد السؤال واقتصاره علي دانتي والمعري,فدانتي برئ من ذلك,حتي ولو اطلع عليها وقرأها,فهو كتب ما لم يكن للمعري بسبب عاهته وانعدام هيامه بامرأة يشعقها أن يكتبه,كما أن المضمون تقريباً يخالف الرسالة,فابن القارح هنا رجل مغامرات ولغة وشعر,بينما دانتي البطل والراوي,متأمل متفكر,يجري وراء قلبه مع فرجيل الذي يدعوه "أبتاه",باحثاً عن بياتريشي المحبوبة,فهي رحلة سماوية متكاملة المراحل للخروج من جحيم الأرض للكوميديا الإلهية,حيث يحقق الفنان ذاته الضائعة وسط أهل الأرض.
كلمة خارج السياق داخل الموضوع!:
تم قطع رأس تمثال المعري مؤخراً,بينما تمثال دانتي وبجانبه إيطاليا حزينة علي ابنها الذي لم تقدره ولم تعترف بنبوغه وفي يدها إكليل لم تكلله به شامخاً مع تماثيل أخري لدانتي العظيم,بينما الغرب يكرم مبدعيه ويعوض عن خسارتهم في حياتهم بذكر خالد لهم,نحن نقطع تماثيل عظمائنا كالمعري وطه حسين وربما شوهنا تمثال النهضة وغطينا تمثال أم كلثوم!
دانتي سب إيطاليا ونعتها بألفاظ مقذعة حباً فيها وحتي تفيق من غفلتها وخيبتها,وعندنا من يحاول نقد مصر ناصحاً مشفقاً تتسلط عليه سهام الهجوم من أي عيل ماش في الشارع,فمحفوظ أديب دعارة!!!!!!!!!!!والأسواني يشتم مصر وهو نفسه عصام عبد العاطي بطل في القصة يحتقر المصريين ويهزأ منهم,والأسواني واحد من أكثر الناس وطنية وخوفاً علي الوطن في عصر الوطن فيه مادة للسخرية,أو أداة لتعذيب المواطنين.
في النهاية...نترك نحن المتلقون لفيض الأدب والإبداع والفن,الصراع والجدل  بين من دخلوا في أرض النقد الصعبة وطرقاتها الوعرة,فالمتعة والخيال والبهجة والاستفادة مضمونين لنا بالتأكيد مع المعري في الرسالة ومع دانتي الكوميديا,وشكراً لوجود رجل جيلنا في أمس الحاجة له,ليسأل ويجعلنا نبحث ونتساءل معه ونجيب,نصيب أو نخيب,تعوقنا الظروف وربما الخوف عن الإتيان بكل ما يمور في ذهننا من أفكار لا نجد من نشاركهم إياها ولا من يسألنا عنها,في عصر بائس ليس به من مشفق علي جهل وظلامية هذا الجيل القادم,سوي أناس محدودين,كان لنا الحظ بمعاصرتنا لهم,وصاحب السؤال واحد منهم(وعندي أولهم),وربما يأتي اليوم الذي سيجد فيه أسئلته التي ألقاها تحولت إلي إجابات يتم تنفيذها في الواقع ونشرها في الحياة,ويومها ستكون الإجابة الحقيقية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق