الأحد، 12 يوليو، 2015

ميقات الحج

سؤال جديد يرتدي ثياب البراءة,ويودي بنا للتغيير الفكري الشامل تماماً كما تفعل النداهة التي تظهر بنتاً جميلة لتخدع صاحبنا المغفل-أي أنا وأنت!!-ثم تخطفه معها حيث لا يعود كما كان!!وقد كثرت تلك النوعية من الأسئلة في الفترة الأخيرة,وهذا حادث سعيد,بل وواجب اتباعه والتشجيع عليه في كل مجال,فما أكثر الأمور التي يجب علينا مواجهتها واقتحام أبوابها غير هيابين,فما أوقعنا في الجُب الظلامي العام غير نقل ما قاله أبو فلان عن ابن علان,بعد رمي العقل في أقرب مرحاض!
الحق أنني لم أهتم بهذا السؤال كثيراً,فلقد شعرت بملل من توالي الأسئلة ذات الطابع الديني,وكنت أتوق لسؤال فلسفي أو أدبي أو تاريخي في سؤال الشهر أو سؤال الأسبوع,لكني لن أفوته,وخاصة أنني في سبيل تجهيز أوراقي لأداء الخدمة العسكرية(حفظ الله الوطن وشعبه آمناً وسط بحر الخراب والدمار ولترخص كل روح في سبيل حمايته,رغم كل ما فعله و يفعله وسيفعله بنا الوطن!!!! وإن كنت أؤمن أن خدمة الوطن تبدأ أولاً من التعليم و التعليم ثم التعليم,الشر الأعظم الذي أطاح بمكانة مصر ودمر الشخصية والعقلية المصرية وتسيد فيه الجهلة والأغبياء والركن الذي تهاوي فتهاوت معه كل أركان المجتمع المصري,والخطر الأعظم علي مستقبل مصر,بل وليس من السخرية أن ندرجه ضمن مؤامرة تدبر منذ عقود كيلا يخرج من مصر أمثال نجيب محفوظ العظيم وأحمد زويل ومجدي يعقوب وطبعاً القضاء التام علي طاقة مصر المتمثلة في شبابها وسلب عقولهم علي أيدي كتيبة بهائم بأجساد بشر رُبيت في زريبة اللاتعليم المصري وأُهلت لإعادة إنتاج الجهل والتخلف والحمق والغباء مع كل جيل جديد! وبعدها سيحمي الوطن نفسه بنفسه تلقائياً) وبعد أيام معدودة سأعرف ميعاد تقدمي للكشف الطبي ,أي أنني بعد فترة زمنية سأُحرم من تلك الأسئلة لعام كامل وربما أكثر...وهذا أشد ما يحزنني صراحة!!!!أتمني حين عودتي للحياة المدنية لو قضي الأمر والتحقت بالجيش أن أجد هذا السيل المعرفي الممطر أسئلة وإجابات مازال مستمراً وفي زيادة,وأحلم أن يقلد هذا الفعل مثقف آخر,أو مؤسسة ثقافية(ضحكة استهزاء بذيئة)كما يفعل موقع بتانة مع المشتركين فيه من نقاط يجمعونها بإجاباتهم ويستبدلونها بكتب تصلهم لحد باب المنزل...كتابي لا يزال في الطريق!
الإسلام له ركنان يمكن أن نتعرف عليه من خلالهما هما:القرآن الكريم والسنة النبوية,القرآن يؤمن كل المسلمين أنه محفوظ بأمر الله,ولا يعترفون بأي آية أو لفظ خارج مصحف عثمان,ويهاجمون ويسفهون أي قائل لآيات مختلفة بروايات أخري وينسبها للوحي الإلهي الذي نزل به الروح الأمين علي خاتم النبيين أو يقول بإضافة أدعية كان يرددها النبي علي مصحف عثمان واعتبارها آيات منزلات,فالقرآن هو مصحف عثمان وفقط,هذا رأي عموم المسلمين,وتلك نقطة شائكة ولن نخوض فيها كثيراً.في النهاية القرآن محفوظ بأمر الله وهو الكتاب الأول الذي يستقي منه المسلمون العقيدة والشريعة,وهناك جماعة لا يستهان بها من المسلمين لا تعترف إلا بالقرآن الكريم وهم المسمون بـ"القرآنيين".
يتبعه السنة النبوي في أقوال النبي وأفعاله,ويحتل البخاري هنا مكان الصدارة علي طول الخط,وليس أدل من المثل الجاري علي الألسنة"هو أنا غلطت في البخاري"لتبيان ما للبخاري من قداسة ورهبة عند عامة المسلمين,بل هناك من يحلف علي البخاري ويقسم به في حديثه كما يقُسم بالقرآن و الكعبة وربها!
وأزمة البخاري ولدت مع زمن البخاري نفسه ومشروعه الضخم العظيم في الحفاظ علي السيرة النبوية بجمعها والتأكد من سندها,لكنه مع تقادم العهد عليه وشهرته أصبح ثاني أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل عند المقدسين له,رغم كل المشاكل التي تحيط به والتي نعاني منها اليوم أشد المعاناة,لكن يبقي للرجل ولكتابه أهميتهما...وخطورتها.ولن يفوتنا هنا أن ننوه أنه ينسب للبخاري أحاديث تطعن في صحة القرآن وتظهر النبي في صورة لن تعجب من يطلع عليها!
نعود للقرآن الكريم,لم أر نصاً يتم تأويله كما أوِل القرآن,فكيفما أراد المفسر أن يقول سيجد لتفسيره مكاناً بين التفاسير,وتلك عموماً أزمة اللغة أي لغة,بل أزمة كل ما في الحياة,طريقة فهمه والاستدلال علي معانيه,فلو أراد المفسر أن يجعل القرآن يتعارض مع الحديث النبوي سيقدر علي ذلك ولو أراد أن يجعله يتوافق معه فلن يعجز!!وقد صدق الإمام علي حين وصفه"حمال أوجه",في أي زمن أو عصر ومع كل أزمة ضع أي آية وانظر كيف ستتلقاها كل فئة وكيف ستفسر معانيها,حتي أننا أحياناً نشك إن كانوا يتحدثون كلهم عن نفس الآية أم إنها آية أخري!
وسنجد أحاديث عديدة تخالف صريح القرآن كحديث"لن يدخل أحد الجنة بعمله"مع آية "وما تجزون إلا ما كنتم تعملون"وكحديث خطاب النبي للمشركين في قبورهم وقوله"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم,غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئاً"مع آية"ولا يستوي الأحياء والأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور".ومن سيتصدي لها لن يستطيع أن يوفق بينها وبين القرآن إلا لو أوتي من البيان سحراً ومن الخيال مملكة.
وموضوعنا عن آية الحج في القرآن وما فعله النبي من حج في وقت معين أصبح سنة لا يحيد عنها المسلمون بالرغم من ذكر القرآن صراحة"الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال "يفتح الباب مثلاً لمراجعة أمر ميقات شهر رمضان,وهل شهر رمضان متغير المجئ في الفصول المتعددة من صيف وربيع وخريف وشتاء الذي نصومه حالياً هو نفس الموعد المذكور في القرآن الكريم؟!وهذا يصلح ليكون سؤالاً بذاته.
حج النبي حجة واحدة في حياته عرفت باسم حجة الوداع,وحين الحديث عنها سنعتبرها من حوادث التاريخ التي تتعرض لما يتعرض له التاريخ وطرق تدوينه ,ولن نتخذ المنظور الديني الأعمي عن كل شئ إلا تقديس ما لا يقدس!
خرج النبي للحج في السنة العاشرة من خمس أو أربع خلين من شهر ذي القعدة,بعد أن استخلف علي المدينة أبا دجانة أو سباع ابن عرفطة الغفاري علي اختلاف الروايات!!
حدث لظرف ما أن اختار النبي هذا التوقيت للحج,لم يكن أمراً إلهياً ولا وحياً ربانياً,وإنما هو تصرف بشري ربما صودف أن الجو العام للسفر مهيأ كأن تكون الحالة السياسية في الدولة مستقرة والمناخ القاسي في صحراء الجزيرة رُطب ببعض النسمات التي تخفف من وعورة السفر وخاصة أن النبي حينها كان قد تقدم في العمر ولابد أن ذلك أثر علي قوة احتماله للمشاق,وهو عليه الصلاة والسلام كان دوماً يؤكد علي بشريته الخالصة...من يعلم؟!
وجاءت الرياح فعلاً بما يشتهي الولاة والأمراء وسدنة الحكم بعد ذلك,فأصبح هذا التوقيت هو التوقيت الرسمي للحج,ولم يعد أشهر معدودات الأشهر الحرم الأربعة,وإنما تحول لأيام معدودات,يحشر فيها الناس اليوم حشراً يكلفهم حياتهم,ويتكسب من هذا الزحام الخطر علي حياة الحجاج,آل سعود,فهذا هو الموسم الرسمي للتجارة والاقتصاد,أيام تصريف البضاعة والحصول علي الأموال,حافظوا علي هذا الميعاد وقدسوه كما فعل أسلافهم,أيضاً لأسباب سياسية باجتماع المسلمين في أيام محددة يمكنهم من خلالها نشر دعاياتهم وتثبيت حكمهم وإذاعة بياناتهم,وأيضاً لأن في الماضي كان الحج شاقاً والطريق لا ينجو منها إلا من يسير في جماعة كبيرة تحميه,فساعد ذلك علي أن يكون الحج ميعاد محدد للابتداء والانتهاء حماية للأرواح من قطاع الطرق المنتشرين في طريق مكة,وخاصة أن شبه الجزيرة أصبحت منذ الدولة الأموية مكان مقفر مهمل,في عودة لسيرته الأولي من خطورة الطرق وانتشار ذئاب الصحراء المتربصة للفتك بأي عابر سبيل,وهؤلاء حتي لو كانوا مسلمون بالاسم فهم لا يهم حاج من طالب لذة,كل من يحمل مالاً عندهم هدفاً للسرقة والقتل لغنيمة متاعه,هذا انتفي طبعاً في زمن الطائرات المحلقة في الجو.
الكل يعرف جناية الدولة الأموية خصيصاً علي الدين الإسلامي الخالص كما كان في عهد النبي وخلفاؤه,وكان من ضمن هذه الجناية,حجرهم علي قول الله عز وجل بأن الحج أشهر معلومات,وبداية تثبيت لشعيرة جديدة يكون الحج فيها أياماً معدودات!!

لا يفوتنا أن نذكر أن الحج ارتبط في القرآن دوماً بالناس أجمعين ولم يقتصر فقط علي المسلمين!!!وبالفعل هناك تأويلات لشعائر الحج تربطها بعلاقة الإنسان الأول بربه وبالأنثي وبالفلك والقصة الرمزية لآدم وحواء,أي أننا أمام شعيرة عالمية فكيف يجعلها الله في كتابه أشهر معلومات ثم يجئ أهل الدنيا والمصالح ويجعلون من أياماً معدودات خدمة للمصالح وانحيازاً للمال مخاطرين بحياة المسلمين...علي كلِ آخر ما يفكر فيه أهل المصالح والمنافع هو حياة غيرهم,فلو كانوا تجرأوا علي تبديل قول الله,فسيجدون ألف مبرر لأي فعل آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق