الاثنين، 27 يوليو، 2015

انفصال كنيسة

عقب موت المسيح بسنوات معدودة اختلف المؤرخون حول تحديدها بالضبط,دخل القديس مرقص أحد تلاميذ السيد المسيح, وأحد كتبة الإناجيل الأربعة بإلهام من الروح القدس-كإلهام عزرا كاتب التوراة-إلي مدينة الله العظمي كما كانت تسمي الأسكندرية في ذلك الزمان,ليبشر باقتراب المجد السماوي ومجئ ساعة الخلاص كما ورد في الأدبيات المسيحية,وتبدأ معه رحلة الكنيسة القبطية.الكنيسة القبطية التي هي جزء من تاريخي كمسلم قبطي,كما هي جزء من تاريخ جاري المسيحي القبطي,والقلة الصامدة في مصر من اليهود الأقباط,فالقبطية إحدي تجليات الهوية التي ينتمي إليها كل مصري,وليس كما هو شائع من اقتصار إطلاقها علي المسيحين المصريين؛لأهداف معروفة أسباب مسمومة.
وبالمثل يعتبر الجامع الأزهر والمعبد اليهودي جزء من تاريخ الأقباط المسلمين والمسيحيين.
إذن فالكنيسة كنيسة مصر والتاريخ تاريخ مصر,في صبغة دينية.
مصر حفظت الأديان الإبراهيمية الثلاثة ووجدت فيها الحصن الذي حماها علي مر الأجيال,ودفع المصريون الثمن من أرواحهم ودمائهم,لسبب أساسي وهو أن جذور تلك الأديان تكمن أصلاً في مصر,فمنها المنبع وإليها المصب!
أدمت الكنيسة القبطية فترة اضطهاد وحشي وصل للذروة مع عصر دقلديانوس الذي بدأ به التأريخ لعصر الشهداء,عاني المصريون حينها من آلام تقشعر لها الأبدان,وهذا الوصف ليس مجرد وصف لغوي,وإنما حقيقة شعورية يعرفها كل من اطلع علي تلك الفترة الدموية من التاريخ المصري في الزمن الروماني الذي كان من قبل ظهور المسيحية وهو يقهر المصريين كأي احتلال غاشم.
 يبدأ عصر الشهداء في مصر من الناحية الروحية مع مرقس نفسه,الذي سيسحل في الشارع مجروراً بحبل من رقبته حتي تنفصل عن جسده,وكادوا أن يحرقونه لولا هبوب عاصفة هوجاء فرقت الجمع؛ليأتي بعدها المسيحيون ليدفنوه في الكنيسة المعروفة باسمه...
ومع ظهور آريوس ما سيتبعه من آراء ستعرف في التاريخ المسيحي الرسمي "بالهرطقات"ستتصدي الكنيسة المصرية لآريوس علي يد أثاناسيوس الذي كان وقت ظهور تلك البدعة شماساً,لكنه تصدي لها بحماس ,فكان أحد أبرز المدافعين عن العقيدة الأرثوذوكسية في مجمع نيقية مع البابا ألكسندروس بابا الأسكندرية في هذا الوقت,وكانا أحد ثلاثة كتبوا قانون الإيمان,الثالث كان ليونتوس أسقف قيسارية,فمنحته الكنيسة لقب "المدافع عن الحق" و"الرسولي"وتقول المؤرخة الألمانية إيما برونت تراوت عنه"لولا أثناسيوس لتحولت الكنيسة الجامعة إلي جماعة طائفية"وبالمثل سيفعل كيرلس في مقارعة نسطور مما سيجعله "عامود الدين".
عقب وفاة ألكسندروس تسلم الرسولي قيادة الكنيسة القبطية وفي عهده وصلت المسيحية لأثيوبيا.
تذكر القصة التاريخية أن أحد الفلاسفة ذهب لزيارة الهند,مصطحباً معه اثنين من معارفه تربطهما صلة الأخوة مسقط رأسهما مدينة صور أحدهما فرومنتيوس,سيتم أسرهما في الطريق ويقتادان للحبشة,وسيصبحان من أهل الحاشية وسيؤثران علي الملك عيزانا-خاصة فرومنتيوس- حين يتولي الحكم بعد وفاة أبيه,مما سيتسبب في اعتناقه المسيحية,وبعد أن يمهدا له الطريق سيعود ايديسيوس لرعاية والديه بينما سينطلق فرومنتيوس نحو الأسكندرية,طالباً من البابا أثناسيوس إرسال مطراناً ليبشر بالمسيحية بعد أن أخبره عن تلك البلاد وملكها واستعداده لاعتناق المسيحية,فلم يجد الرسولي أفضل من فرومنتيوس نفسه لتلك المهمة,لعلمه بلغة تلك البلاد وعاداتها وقوانينها,سيعود لأثيوبيا مبشراً بالمسيحية وسيسمي منذ ذلك الوقت "آبا سلامة"أي أبو السلام.
ومنذ ذلك الوقت حتي انفصال كنيسة الحبشة عن كنيستها الأم عام 1959,لم تتأثر العلاقة بين الكنيستين بأي معوقات,ولم يفلح في تدميرها الفاتيكان نفسه,ولا موسوليني بذاته,ولا تحول مصر من المسيحية لتكون قلب الإسلام.
الحس الوطني كان هو السبب الأساسي في رغبة الأثيوبيين في استقلال كنيستهم وخاصة بعد صدهم للاستعمار الإيطالي في نهاية القرن التاسع عشر بقيادة الإمبراطور منليك الثاني وصعود روحهم المعنوية نحو السماء بفضل هذا الصمود,وهذا أمر يحسب لهم لا عليهم,فالسياسة العاقلة حين تسيطر علي الدين,تكون أرحم من المتدينيين المتهورين لو سيطروا علي السياسة,ورغم ذلك ظلوا يتبعون الكنيسة القبطية روحياً.
الرب يمكن الوصول إليه في أي مكان وأي زمان كل علي حسب قلبه وتوجهه لا يحتاج الإنسان إلي تبعية ما لرمز ديني أياً كان لمعرفة ربه والتقرب,لكن الوطن واحد لا بديل له,واستقلاله مسئولية أبنائه,والتي ستسألهم عنها الأجيال التالية حين يسلمون لهم الأمانة,هكذا فكر الأثيوبيون وهكذا فضلوا الاستقلال الديني,حتي ولو عن الكنيسة القبطية ذات التاريخ العريق,والتي يرجع لها فضل دخول المسيحية لأثيوبيا.

وما فعلته الكنيسة الأثيوبية لم يكن بدعة,فقد استقلت كنائس عدة ككنيسة الصرب وروسيا وبلغاريا,وكان للظروف السياسية العامل الأساسي في هذا الاستقلال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق