الأحد، 9 يونيو، 2013

الوحى




كيف فَهَم اليهودُ و المسيحيون و المسلمون حقيقة "الوحى" و طبيعته ، و كيف أثَّرَ هذا الفهم فى نشأة المذاهب العقائدية عندهم عبر تاريخهم الطويل ؟
(سؤال طرحه يوسف زيدان)




أسئلة تتوالد من رحم أسئلة,وكاذب من قال أجبت فأصبت.......

للإجابة علي مثل هذا السؤال,علينا التحلي بالشجاعة اللازمة,لمواجهة السؤال المرعب...ما هو الفهم,وهل نحن نفهم,أم نلقن,أم نتربي علي أننا فهمنا ونرتاح لوجود المسلمات حولنا,فنفهم فهم الآخرين,ونعيش في راحة عقلية,حتي نموت.هل تخيلت أن السؤال المرعب,له علاقة بالوحي؟معك حق,وسنأتي لذكره.

هناك لعبة مشهورة,تتكرر بكثرة علي مواقع التواصل,المكعب الذي ينقسم للونين,فوق رصاصي فاتح,وتحت رصاصي غامق,هكذا نراهما قبل أن نضع أصابعنا علي الظلال,فنكتشف أن لهما نفس اللون.ولكي نتأكد أن الأديان الثلاثة التي ارتبطت بوحي,فاحتكرت السماء لنفسها,ودعاها أتباعها سماوية,هي لون واحد لتجلي إله واحد أسماؤه متعددة,من يهوه إلي يسوع إلي الله,لكن الظلال(الفهم,التربية,المسلمات,التلقين,التطرف,الإنكار,نفي الآخر,إحتكار الحقيقة المطلقة.....)جعلت عقل معتنق كل ديانة,يراها مختلفة,لسبب أصيل وشهير جداً:"هؤلاء هم الكفرة,سيدخلون النار,لأنهم لا يعبدون(إلهي)",ربما كان تأثير الدين اليهودي و(الوحي!) التوراتي,الذي أعطاه الله لموسي,ألا تعلم أن الأديان تؤثر بعضها في بعض؟!إذن أنت لا تعلم أنها تتشابه إلي حد كبير؟! علي حسب(فهم)البعض,تتنافر بشدة حسب(فهم)البعض الآخر,وهذا يعيدنا لمسألة الفهم,كيف يفهم البشر.

العقل متاهة,تذهل كل من يسير فيها,لكن الجميع في النهاية,يختار أمر ويعتبره نهاية الرحلة,ويقف عنده كآخر الطريق الي عليه أن يمضي فيه,ليصل إلي (الحقائق!!)والحقائق لا تعرف النقاش,لا يمكن تبديلها ولا تغييرها,قلة من يملكون شجاعة التوهان في مدارات الفكرة,التي ليس لها نهاية,وبدايتها مجهولة,فقط مايعرفه المفكر أنه في لحظة ما وجد نفسه هنا,وسار في طريقه,هو اختار نقطة البداية,أو نقطة البداية هي التي اختارته,لا يهم المهم أن هناك مفكر,ومتاهة,وعقل يحير كل من يستعمله.

بديلاً عن كل ذلك,لماذا لا نعتمد علي الله سبحانه,في المعرفة والوصول إلي الطريق الصحيح,والله نتصل به من خلال كتابه,وكتابه وحي من عنده,مقالته إلي خلقه في الأرض,مرسوم فيها طريق السماء,حيث يصعد المؤمنون لجناتهم,والكافرون لجحيمهم,اليهودية المبكرة,لم تهتم بأمر النار والجحيم,لكن كما قلنا الديانات تتأثر ببعضها,وربما تأثر دين سابق بآخر لاحق,وتمت فيه تغييرات لتلائم المصلحة البشرية,وتتشابه تلك المسألة في الإسلام مع موضوع الناسخ والمنسوخ,فالآيات التي كانت في صدر الإسلام حين كان الإسلام مستضعف,والنبي يعاني,والمشركون هم الأسياد,كانت تتسم بلون خاص من التعاطف,والمهادنة مع المشركين واليهود والنصاري,كما أن العلاقات الاجتماعية لم تتبلور بعد في مكة,فكانت العقائد الأولي,والبذور المبكرة للدعوة,هي ما يتنزل علي النبي,وفي وقت إنشاء دولة في يثرب,يتزعمها النبي بمعاونة أصحابه,واشتد عود المسلمين,كانت الأحكام التي نظمت "الدولة"وأعطت للنبي خصوصية لم تكن متوفرة له من قبل,جعل بعض المسلمين فوقهم بعض,كما أكد أنه فضل أحدهم في الرزق علي آخر,وأن اليهود والمسيحيون قد حرفوا كتاب الله,بعد أن كان الإنجيل والتوراة فيهما النور والهداية؛هكذا تأثر الوحي بالظروف التاريخية والاجتماعية في عصر واحد قصير,بداية من البعثة حتي وفاة الرسول,فحدث ولا حرج عن اختلاف الفرق الإسلامية,وتقاتلها علي آيات الله,وزعم كل واحدة أنها الفرقة الناجية!!حتي لو كان الأمر لا يقبله البعض,في الإسلام هناك مصدرين للوحي,كتاب الله والسنة النبوية,تلك السنة التي لها تاريخ لا بد من قراءته وتنقيته من كل ما من شأنه أن يسئ إلي الدين,ويشوه الوحي,والمسلمون يتعاملون مع صحيح البخاري,كمعاملتهم للقرآن تقريباً,فهو أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل,ولو تأمل أصحاب هذه العبارة عملية جمع القرآن,والأحداث التي مر بها مصحف عثمان,وما قيل في البخاري وغيره,عن ما أكلته الشاة من كتاب الله,و سورةالأحزاب التي كانت أطول من البقرة!! وغيرها من الأحاديث التي تطعن في الدين والوحي والقرآن,ربما راجعوا أنفسهم.

نعود إلي الفهم مرة أخري,ونسأل لو عاد بالزمن رجل من عهد النبي,عاصره حتي مماته وكان قريباً منه,وتحدثنا معه مثلاً عن الإعجاز العلمي في القرآن فكيف سيكون رده,وهل سيستوعب كل تلك الإستخراجات التي تقول أن الوحي سبق العلم الحديث,لو قلنا له أننا ليس عندنا ملك يمين ولا نعرف العبيد,وليس هناك أحكام للنسئ,فكيف سيكون رد فعله.
الفهم يتغير بتغير الزمان,والمكان,والحالة الاقتصادية والاجتماعية,وأحياناً بتغير المفهوم نفسه مع الزمن,لذلك قد لا نعتبر ما قيل في تفسيرات الوحي وأحكامه أنها(فهم)مقدار ما هي (تصور) معين في للكتاب المنزل من عند الله.

اليهود يتعاملون مع الوحي بدونية معظم الأوقات؛لأن البشري قد يغلب الإلهي كما حدث مع إسرائيل الجد,والله السماوي,والحاخام تعلو كلمته علي كلمة الله؛فلا عجب من كونهم متعالون علي كل أبناء الأرض,وشرائعهم تبيح كل شئ,في سبيل السلطة والتسيد,وتاريخهم الدموي الطويل,كان يستند علي تصورهم للوحي التوراتي.

لكن ما هو الوحي؟
لو كنت قابلاً للإيحاء,فأنت في الغالب لك في تفسير الرموز والإشارت,وتحويل العلامات إلي طريق.الوحي الإلهي نزل علي صفوة تم اختيارهم,لك أهم صفة الموحي إليه أن تكون طبيعته قابلة للإيحاء,فمحمد كان يعتزل الناس,ويطيل التأمل,وموسي يذهب للجبل لمقابلة ربه,بينما الأناجيل لها طبيعتها التاريخية الخاصة,التي تجعل أصحاب الديانة الواحدة,يتقسمون لشئ أشبه بديانات متصارعة,بسبب (تصورهم)للإنجيل,وطريقة فهمهم لتلك الرموز التي سجلت فيه,وسيغضب أصحاب الإنجيل كما غضب أصحاب القرآن حين الحديث,عن الوحي وكتابته وتاريخ تدوينه,ويرونه تشكيكاً في العقيدة,وطعناً في الدين,هنا نعود لنقطة البداية"الفهم",هم يريدون المسلم به في الغالب ولا يبحثون عن الفهم,لأنهم لو فهموا,لأدركوا أنه الله في القلب,وكتابه خريطة للمؤمنين به للوصول إليه داخل ذات كل واحد,وكلنا لنا ذات,لذلك الله عند الجميع,واحتكاره لفئة دين أخري,أمر عبثي أغرق ويغرق وسيغرق البشرية في دماء,ويطوحها في عنف أبدي لا خلاص منه,بسبب سرعة البشر غالباً في التقديس,وتكاسلهم عن الفهم والتدبر...دين الحب لدي ابن عربي هو النموذج لما أريد قوله,الله في القلب حيث الحب والإيمان,ولو اعتمدنا علي فهمنا القاصر,وهذا حدث وكان ما كان ستنقسم الديانات نفسها,منها فيها, لشيع وفرق,تكفر بعضها الآخر,وتؤكد كل واحدة أن الأخري علي ضلال,وأن الله هو من يهديها بينما الشيطان هو الراعي الرسمي لكل ما تقوم به الفرق الأخري.
تقريباً نحن لا نعرف عن حروب دينية شنت,إلا وكانت للأديان (السماوية)التي نزلت لسعادة البشر ولتضفي جو السلام والطمأنينة علي عباد الله في الأرض,لا تجد ملحداً في الغالب يحمل السلاح ويتسبب في القتل,لأنه يريد من الآخرين أن يلحدوا,وإلحاده في حد ذاته إيمان من نوع مغاير؛لأن القداسة تسيطر علي عقول أتباع الديانات الثلاثة,وليتها القداسة الإلهية,بل قداسة التفسيرات والمقولات المقولبة,تقديس الرموز والأتباع,الإيمان المطلق بالحاخامات والباباوات والأئمة,أولئك البشر الذين قاربوا أن ينسونا أنبياء الله وما أمروا به,وأصبح الجميع يتبرك ويتقرب إلي الله بالبشر والرموز الدينية المادية أو المعنوية,وكأنها عودة للوثنية بصورة تلتحف بدين السماء,ووحي الإله,حين يغيب العقل,وينقل التصور من جيل إلي آخر,بلا تفكيرو لا هوية,تغيب عنا قيمة الوحي,كإشارات إلهية لكل زمان,كما يعتقد المؤمنون,وأنها لم تنزل لبشر دون آخرين,الله يحادث عباده حتي تقوم الساعة,ولم يعط لأحد الحق في تفسير ما يقال أو تطويعه حسب الزمن والسلطة والظروف,ثم يقدسه ويجعل الله يتحدث بلسان فلان أو علان تعالي الله,بل أعطانا عقولاً ووحياً,وتركنا في الأرض,نعمل أعمالنا ونحصد النتائج العاجلة,وعنده الحساب,لكن البشر قدموا الآخرة علي الأولي,وجعلوها الحكم بينهم في الدنيا,فكان الفساد وكان العبث,وكان إهمال الوحي علي حساب تفسيره,الذي يخدم أغراض معينة للجماعات الحاكمة في عصر معين.
الوحي نزل للبشر.البشر يريدون ما بعد الوحي,وما بعد الوحي لا يمكن الوصول إليه عن طريق العقل,فالإيمان بالغيبيات والمطلق والحقيقة واعتناق الدوجماطيقية,يحتاج لقلب مؤمن ومطمئن بما يؤمن به,ولا يحتاج لفهم وتدبر,تلك هي طبيعة الأديان عموماً,بعيداً عن الكلام المحفوظ والمتداول,لكن بالمعرفة و البحث,نكتشف أن العقل يرفض الغيبيات ولا يعترف بها,لكن القلب حين يعمل عمله,يستسلم العقل,لا أقول يسلم.
هذا هو مايحتاجه الإيمان ويطلبه الله ودعا إليه الوحي,قلب يعقل!,قلب يفهم وحدانية الله,فيعرف وحدانية البشر وأنهم جميعاً واحد,لهم ذات القلب وذات الشعور,وطالما القلب يتجه للإله المعبود,فهو مؤمن,وليس لأحد شأن بقلب أحد.
ذات مرة زرت معبد وكنيسة ومسجد,في يوم واحد,وخرجت من تلك التجربة,أن الله لا يحتاج إلي ارض يعبد عليها بقدر ما يحتاج لقلب يسكن فيه,وأن المعارك الدينية التي أراقت بحور لا سعة لها من الدماء,سببها:إلهي وإلهك وإلهه,مما نتج عنه أنا وأنت وهو,وتلاشي "نحن البشر,عباد الله,الإخوة من آدم,أصحاب القلب الواحد"...لو وحدت الله بجد,لكنت وحدت البشر,وتعاملت مع الوحي-كل وحي-بصفة رسالية سلامية,لا بصفة عدائية,تنكر علي الآخر حقه في الحياة,وتسلب منه جنته بعد الممات.
حتي ننهي تلك النقطة,انظر في قلبك و تجاوز عن كل الأحكام والتجارب المسبقة,هنا مكان البحث عن الله,وربما مكان وجود الوحي,وحي بلا رسالة ولا رسول.

ما الحقيقة؟
لا حقيقة,علي الإطلاق....إلا ما نتوهم أنه حقيقي؛لذلك كل التأويلات التي تتبناها الديانات والفرق للوحي,هي حقيقته,وربما تم إلغاء عمل الوحي والله ذاته في سبيل سيادة هذه(الحقيقة) تفعيلها في الأرض,وفرضها علي الجميع,فوضع الكهان والسلاطين الله في السماء,وفسروا الله لوحي ليسودوا هم علي الأرض.
ولو عرف أحد الحقيقة ببرهان عقلي ومنهج علمي يقنع العقل الإنساني فليقدمه,وإلا ليترك الحساب يوم الحساب.أقرب وصف للحقيقة أنها بحث وليست وصولاً,كما قرر نجيب محفوظ.
إذن,فمن الممكن قول أن أتباع الديانات (فهموا حقيقة الوحي)بما يتناسب مع عصر كل جيل,وظروف كل مرحلة,وعقل كل متلق,وبلورة تلك الحقيقة باستدعاء نصوص تاريخية تثبت صحة الفرض المتوهم لحقيقة الوحي.
الوحي ليس للأنبياء وحدهم,للبشر العاديين,و للجماد والأمثلة علي ذلك موجودة في القرآن والتوراة,الوحي متصل لا ينقطع طالما وجد إيمان وقلب مؤمن,هذا الإلهام الخفي الذي لا يمكن تفسيره,أن الله معك وناصرك ومؤيدك وواضعك علي صراطه المستقيم,موجود عند كل مؤمن بأي إله,ولو تعددت معاني هذا الوصف,وقصر الوحي علي الأنبياء وزعم انقطاعه,أمر قد يُختلف فيه لحد كبير,أنا أري أن الغريزة عند الإنسان والحيوان جزء من الوحي,يوحيه الله لمخلوقاته كلها بلا استثناء,فطبيعة الوحي (يفهمهما)كل قلب كما قدر له الله أن يتلقي وحيه,حتي ولو كان إشراقة ذهن,أو هزة قلب,يعزوها المؤمن لربه,بينما طبيعة الوحي لدي موسي كان الحديث المباشر,وعند عيسي أمر خلافي تعددت فيه الفرق,وعند محمد عن طريق جبريل,لكن عند المؤمن العادي,يكون عن طريق القلب المهيئ لمثل هذا الفيض الرباني.طبيعة الوحي التصديق القلبي والتصور العقلي لماهيته,في تحقيقات النيابة,ومن خلال الشهود نجد حكايات متعددة لحادثة واحدة,علي حسب مكانك وخبراتك ورؤيتك,تكون نظريتك في طبيعة الوحي.

اختلاف الفرق والعقائد في الديانات حسب فهمهم للوحي,لايمكن حصره هنا,لكن المؤكد أنه لولا اختلاف الرأي يا محترم.لولا الزلطتين ما الوقود انصرم,اختلاف المذاهب ناشئ عن طريقة استخدام الوحي وتطبيقه في الدنيا,واعتبار ما هو صحيح غير صريح وما هو صريح غير صحيح,ووحي كل فرقة دينية,ما يناسب تصوراتها,و(أهدافها في الحياة).
وكل ما كتبته تصور وتوهم,لو آمنت به كان هو الحقيقة,مثل أي شئ آخر

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق