الأربعاء، 25 أبريل 2018

رواية كشهقة الموت هي


يستقي سعيد نوح روايته"كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد"من شهقة الموت الأخيرة التي قد تخرج الروح بعدها بسنوات,فالتجربة التي عايشها صاغها في عمل روائي ينضح بحفيف أجنجة عزرائيل تُسمع بين طيات الرواية أسفاً علي وجود الإنسان في الحياة قبل أن تأسف علي موته,كم  هو رخيص الإنسان وسهل اقتناصه بمدفع الموت الحاصد لما لا عدد له من الأرواح البشرية,بعضها يقترب من الملائكة كسعاد والكثير منها لم يخرجوا من همجيتهم الشيطانية.
هذه الرواية جرح نازف لا تطبيب له سوي الكتابة ففي التذكار ما يسلي الروح عن حرمانها,فيستعيد الرواي الحكاية من أولها,ويكتب سيرة الفقد والفقيدة,بشخصية رئيسية تموت فتظهر شهادات من عايشوها؛لأن ما يتركه الإنسان العادي في هذه الحياة ليس إلا ذكري,فأنا وأنت لن نظهر في كتب التاريخ ولا النشرات الإخبارية,غير الأسرة والمعارف لن يذكرنا أحد,وكل من عرف سعاد كلهم يحبونها بدءً من أبيها وأمها لزملائها في العمل,حتي هويدا مشاعرها رمادية,رغم غيرتها لا تقدر علي كراهيتها بل وتحولها بعد وفاتها إلي شخصية صوفية تطلب منها المدد.
"كلما رأيت بنتاً حلوة أقول يا سعاد"مرثية طويلة لمآل الإنسان في الحياة,نص منسوج بمرارة المعايشة المباشرة مع الموت الذي يظل علي الدوام"لا يوجع الموتي,الموت يوجع الأحياء".

الاثنين، 23 أبريل 2018

قراءة في مسلسل نابليون والمحروسة 2


يعالج المثقف الفرنسي رقية وينزع الخيط "التحصين"عنها,يدفن أبيها ويرسم لها لوحة لساعة الوداع,ويسعي  لإلحاقها عند انسبائها في المحروسة.
البيت الجديد يضم الأسرة القاهرية المكونة من الأب الحداد"هادي الجيار"والابن الأكبر حسن"بهاء ثروت"وشقيقه علي"شريف سلامة"وأختهما زينب وعلي رأسهم خديجة سيدة الداربكل ما تحمله الكلمة من معاني المسئولية والاحتواء,لا يختلف الحال كثيراً في الشمال عن الجنوب,الأزمات واحدة تطحن الكل.
لولا ديكور عادل المغربي وأزياء سهي حيدر لوقع هذا العمل في فوضي عارمة بالنسبة للمرئيات البصرية,قام شوقي الماجري بعمل كونشيرتو بصري من الديكور والملابس يعزف مع الكاميرا لوحات تشكيلية لمصر في القرن الثامن عشر,ملابس الشعب وديكور بيوتهم بالمقارنة مع ديكور وملابس قصور المماليك وأعضاء الحملة  يبرز لنا ببلاغة الصورة عمق الاختلاف بين أطراق الملحمة التي نحن بصددها,الصورة والضوء والديكور والملابس يذكرانني بأعمال رامبرانت بصورة كبيرة.
وكما وقع دينون في هوي رقية يقع علي هو الآخر,ثنائية جديدة تظهر ضمن الأحداث,الفرنسي والمصري يسعيان لقلب الأرملة الثكلي,وهي غائبة في عالم آخر...تعيش بروحها مع الموتي الغائبين الأحباب المختفين,لكن تبقي الحياة هي الحياة لابد أن تستمر مهما بلغت بشاعة قسوتها,والمأساة السورية اليوم دليل حي علي جاذبية الحياة واستمرارها ولو علي ذروة قمة الآلام,واستناداً لجينات الإنسان المرتبطة بالحياة تقبل رقية خطبة علي,ووسط هذا الانشراح القصير في مسار الأحداث تموت ورد"أروي جودي زوجة حسن علي يد زوجها المتعصب...بهاء ثروت طاقة فنية لاتجد حتي اليوم من يستغلها بصورة كاملة,ولن تجده طالما يتعامل الجمهور الحالي مع الهراء الذي يقدمه هذا الشئ الذي تجرأ علي اسم مصر وألصقه بالتهريج البائس الذي يقوم به وسمي نفسه زوراً"مسرح مصر"في بجاحة لا حد لها,فالفرق المسرحية الحقيقية لم تفكر أن تحتكر اسم مصر العظيم الهائل رغم ما قدمته من أعمال تفخر بها مصر وتذكرها بالحنين والتبجيل!!المهم نعود إلي ما يستحق الحديث عنه.
لماذا قتل حسن ورد رغم عشقه لها وغرامها به.عشق الأضداد ورد الحنون وحسن الغليظ,ورد المتفتحة وحسن منغلق الذهن ضيق الصدر؟
ورد تهوي الجمال كأي جميلة علي أرض مصر,وللفرنسيون ولع وخبرة بالجمال والفن,وعندما قرر نابليون تحويل خط مصر من الانحدار علي قضبان العثمانيين إلي التقدم علي قضبان الجمهورية الفرنسية,أقام بعض دور الترفيهومنها التيفولي علي حديقة الأزبكية,وهو مكان للموسيقي والرقص ولألعاب المراهنات ومقصقف للمشروبات,حرمه المصريون علي أنفسهم كنوع من المقاومة!!!تلك هي الأزمة التي ستؤدي إلي قتل ورد,فقد خرجت مع صديقتيها لهذا المكان السحري بالنسبة لامرأة في القرن الثامن عشر في ولاية-مصر ولاية!!!!!-عثمانية متخلفة لا تعرف من الدنيا إلا القليل,وتتفاقم الأحداث عند ركوبها مع زوجة أجد الفرنسيين العربة,فيراها زوجها ويشهم رأسها"بلا وعي",طريقة قتل حسن لورد تكشف عن نفسية حسن,فهو بلا وعي ولا ثقافة تجعلانه يقبل ما قبله أبوها الحاج منصور"صبري عبد المنعم"بتفهم,جسن لا يري في الفرنسيين إلا"كفرة"هكذاببساطة!!هذه الذهنية السطحية هي المتسيدة اليوم,موضوعات معقدة خطيرة تستغرق من الباحث فيها عمره,يحكم فيها ضيقو الأفق غائبو الوعي  بكلمة أو كلمتين بكل ثقة الجهل المتفشي,مريحاً ذهنه من التفكير لكنه يتعب نفسه حتي الموت!مثل حسن الذي قتل زوجته بغياب وعيه ضرباً علي الرأس.

الأحد، 22 أبريل 2018

قراءة في مسلسل نابليون والمحروسة(1)


بين  كآبة جنائزية تشي بزمن ولي وغادر الأرض؛ليدفن في باطنها حيث ينتمي,وترقب القادمين من الجانب الآخر للبحر ليطأوا أرضاً جديدة,تخيلوها من كتابات رحالة وباحثين كفولني الذي كان مفتاح من مفاتيح الاستشراق في زمنه الأول,يبدأ مسلسل نابليون والمحروسة بقيام خديجة "سوسن  بدر"بدفن أمها واقتراب سفن نابليون بونابارت لسواحل الأسكندرية.
من البداية تسيطر الأجواء الكئيبة القاتمة المنعكسة علي الصورة جاعلة الظلال الداكنة تشيع في جنباتها؛لتكون مرآة من الظل والضوء تعبر عن نفسية الشخصيات وصورة للأحداث.
يمكن إجمالها في أسرتين واحدة تعيش في المحروسة والثانية تقبع في صعيد مصر في الفشن,تربطهما علاقة مصاهرة بزواج محمود"أشرف مصيلحي"من زينب"سهيرالصايغ",سرعان ماينمحي أثر الأسرة الثانية  بين المطرقة المملوكية والسندان الفرنسي,وكما هي العادة علي مر التاريخ,يتصارع الأقوياء وليس هناك  ضحايا غير الأبرياء من حلموا برغيف وسقف وحضن يقيهم أنياب الزمان.
رقية"فرح يوسف" تفقد ابنيها باختطاف المماليك لهم,وأبويها حين دخول الفرنسيين,أمها التي تغلف قلة حيلتها بصرامة قاسية,لا تجد غير البحر مفر لتغرق فيه ممسكة بولديها وأبيها يصاب بطلقة ترديه.
من تلك الحلقة يبدأ تجلي أداء فرح يوسف الفن,في دور تراجيدي لامرأة نكتشف سعادتها الزوجية مع زوجها الراحل من حوار لها مع أمها,ثم موته ليتركها ضحية للفقر وغنيمة للطامعين,وولداها يتامي يجري عليهم من شظف العيش وشدة غلاظ القلوب ما يجري علي أمثالهم...إن المأساة التي تحياها ترجع بنا لأيام بعيدة وأماكن لا تعرفها رقية,تعود  بنا لماري أنطوانيت وسجن الباستيل و"شنق آخر ملك بأمعاء آخر رجل دين",وخوف إنجلترا ودول أوروبا من تصدير الثورة لبلادهم,وحروب التاج مع الجمهورية في صراع السيادة والسيطرة,بين قوتين عظمتين,حين قررت فرنسا إرسال جنرالها الأول نابليون العسكري الفذ الشبيه في تاريخنا بتحتمس الثالث من جهةالعبقرية العسكرية للهجوم علي إنجلترا وتتغير الخطة بمهاجمة إنجلترا بطريق غير مباشر بضرب مصالحها,فكانت مصر هي المختارة وفي مصر نزل نابليون خلفه  يعدو نيلسون...ثم  بدأت مأساة رقية!!
تتزين بلادنا بالعلماء والفنانين الفرنسيين الذين أضاءوا الماضي,ومثلوا نقطة مصيرية في التاريخ الحديث,حيث تفتحت أعين المصريين علي العالم الحر المتقدم  لأول مرة منذ قرون كبتتها فيها السلطنة العثمانية عملت فيها علي إلغاء الهوية  المصرية بصلف جهول أو بتعمد شرير,ورغم ذلك تظهر يد الحرب البغيضة في ضياع أسرة الشيخ مصطفي"سامح الصريطي"والد رقية بيد الجمهورية التي رفعت بالبنادق شعار الحرية والإخاء والمساواة!!قامت المؤلفة عزة شلبي  بإبراز الوجه المشرق  للحملة الذي شعر به المستنيرون من أهل مصر وقتها بينما لم ير فيها العوام سوي حملة صليبية جديدة!فالدين للأسف ليس إلا غمامة يُلبسها إياهم الأفاقون لينحدروا بهم للدرك الأسفل!
عند دخول جيش فرنسا للفشن تهرع الأم للقبض علي ابنتها بيد من حديد ومحاصرتها للقيام "بتحصينها"عن طريق إغلاق مكمن أنوثتها بالإبرة والخيط عبر عملية مؤلمة من الغرز بسن مدبب في أكثرالأماكن حساسية في الجسد,خوفاً من اغتصاب الجند لها,تسير رقية متألمة لا تقوي علي الحركة مع أبيها الضرير في صورة أنتيجون مصرية كتب عليها مواجهة أقدار لا يد فيها,وليس عليها سوي السير والتحمل بشجاعة لا يقوي عليها جسدها الواهن وروحها المكسورة.
في مشهد موت أبيها تنهار بجوار جثمانه إرهاقاً وألماً,يراها الفنان الفرنسي فيفيان دينون"جهاد سعد",فيعرف منها ما تعانيه من آلام وفي لقطة تزيد من عمق فهمنا للإنسان بصفة عامة,الذي يحاول أن يصير سيداً للعالم,تخبره بما فعلته أمها وتبدي له ألمها من البول المحبوس خلف خيوط أمها الغليظة.
هنا لابد من كلمة عن أداء فرح  يوسف الرصين في هذا العالم تحت قيادة المخرج شوقي الماجري:
يُخيل إلي أن أعظم ما يصل له الفنان أن يمحو شخصيته الحقيقية في  ذهن المشاهد,فمثلاً لم أر آل باتشينو في فيلم الأب الروحي بل رأيت مايكل كورليوني,ولم أعرف أوريسون ويلز في المواطن كين وإنما الملياردير  تشارلز فوستر كين,ولم يكن عمر الشريف في فيلم دكتور زيفاجو بل كان زيفاجو نفسه,وكذلك فرح يوسف كانت رقية تحتل مسامها وطبقة صوتها المتخاذل,طبيعة هذا الدور يغري عشرات الممثلات بالافتعال ومحاولة استدرار الدموع الكاذبة والغرق في حضيض تمثيل التمثيل بدلاً من التمثيل كفن سحري يجسد التعبير الإنساني كما هو...أو كما يجب أن يكون.


الثلاثاء، 3 أبريل 2018

لماذا لم أقل أني أحبه؟!


لماذا لم أقل أني أحبه؟!
طالما اغتظت ممن يكتبون عن الراحلين عقب وفاتهم ويملأون الدنيا صخباً,وكنت أقول"في حياتهم كانوا أحوج لهذه الكلمات الجميلة,لماذا ننتظر الموت مجئ الموت حتي نصرح بإعجابنا وحبنا؟!"حتي جاءت هذه الليلة الحزينة التي رحل فيها أحمد خالد توفيق,الواحة الجميلة التي كنت أستظل بها وسط صحراء القسوة والهراء,وتعلمت ضمن ما تعلمت في أيامي أن مرارة الموت تطفح منها مشاعرنا الصادقة,وطالما ظل الإنسان علي قيد الحياة تغرنا الدنيا أن هناك فرصة مؤجلة لكل شئ.
في البداية ظننت الأمر من ألاعيب إبريل ولعنت وسببت في سري كل كدباته التي مثل هذه حتي تأكد الخبر...أحمد خالد توفيق مات!!!!بكي قلبي قبل عيني وتجلي لي الموت وحشاً فظيعاً,وسقطت فجأة كل صغائر يومي الحقيرة التي شغلت بالي في طريقي للمنزل من العمل,وكل خططي تبخرت,ولم يعد في داخلي سوي نشيج مكتوم يصرخ بدون صوت"لماذا لم تقل أنك تحبه؟!"
انقطعت عن الكتابة في هذه المدونة لأسابيع انشغالاً بأسباب المعيشة,ومخزناً في ذهني مشاريع عدة لموضوعات كثيرة ولم أتخيل أن عودتي ستكون في نعي صاحبي الجميل-ليتني ماعدت- الذي لم أره ولم يعرفني,لم يعرف بوجود محمود قدري الساكن في مدينة دمنهور الذي قضي معه ساعات من أجمل ساعات عمره,حينما كنت ألجأ له طلباً للفائدة والمتعة,وكان صاحبي الجميل كريماَ...كريماَ لدرجة أنني كنت أستكثره علي نفسي وأتعجب من فرط جماله وحيويته,عشت معه ساعات مرضه الأخيرة كما حكي لي في مقالاته,وهنأته في سري بالسلامة"هاتروح وتسيبنا لمين يا عم أحمد؟!وهو فيه كام أحمد خالد توفيق في حياتنا,يللا بقي ارجع  زي زمان وكلمنا عن كل حاجة حلوة في الدنيا,كمل كلامك عن الأفلام الأجنبي والروايات الحلوة والفنانين والأدباء الجُمال اللي خلتني نعرفهم ونعيش معاهم...حمد الله عالسلامة يا أخي!...وحتي لو مارجعتش ربنا يخليك لولادك"
لماذا لم أقل أني أحبه؟!
قلبي بداخلي يرتعش...ياللموت!!!"واهتز قلبي كفقاعة وانفثأ"أهكذا كان يشعر أمل دنقل؟!لكني قلبي ينفطر حزناً عليه,لو انفثأ لاستراح لكنه معبأ بكافة المشاعر المتضاربة,صحيح الموت علينا حق,لكنه "علينا"وليس "لينا".
يااااه...يشاركني في هذا الألم آلاف ممن تربوا علي يدي هذا الرجل,آه لأول مرة في حياتي يقترب الموت مني لهذه الدرجة,فأشعر بالهلع علي كل من أحب...الحزن يعم الجمهورية  كلها في المدن والريف في السواحل والصعيد,يكاد تلفحني صوت زفرات الصدور المشتعلة حزناً وفقداً...أراه الآن في غرفة كل من تعلق ماثلاً أمامه في خياله بأشكال متعددة,فهو الصاحب لبعضهم والأب لبعضهم والمعلم لبعضهم وربما الحبيب لبعضهن,صور كثيرة عجزت عن تخيله بها في حياته لكنها بعد رحيله صارت حية أمامي!
يسألني من في المنزل"مالك"فيخرج صوتاً ضعيفاً غريباً أنكر صدوره مني"أحمد خالد توفيق...مات"وأتذكر أني ختمت الخامسة والعشرين كان أحمد خالد توفيق خلالها جزء من حياتي,حياتي التي أصبحت ماضياً غريباً هذه الليلة,كأني فقدت فيها جزءً من نفسي,نفسي التي تعذبها وتعذبني,فجأة نتصالح كصديقين نعزي بعضنا في موت أحمد خالد توفيق.
يا صاحبي الجميل الراحل,اعذرني أني لم أكتب عنك من قبل فأنا لا أتكلم؛لأني لا أجد من يسمعني,فقط أكتب حتي لا تسوء حالتي!لقد كنت تمثل لي شيئا عادياً لا غني عنه فمن فرط وضوحك وأهميتك لم أفطن إلي ذكرك.
يا صاحبي الذي لا يعرفني,كما كنت صاحب آلاف وآلاف لم تعرفهم لكنهم يحفظون وجهك ويرتاحون إلي صوتك,ها أنت راحل حيث كل من أحببناهم بدءً من جدنا إيمحوتب العبقري وانتهاء بهوكينج,عزائي أنك ستجالسهم هناك وتنظر لنا من بعيد وربما تطرأ علي ذهنك واحدة من عباراتك اللطيفة المحببة للجميع,فيها الطرافة واللطف والرقة كما تعودنا,آخذاً معك بهجتنا التي كنت أنت مصدرها.
ستجد كل أحبابك هناك يا صاحبي الجميل ولأننا أصدقاء قدامي فسلم لي عليهم,وأوصيك بنجيب محفوظ قبّله لي وشد علي يديه,واربت علي كتف نجيب سرور,واسأل داروين وأرسطو آينشتاين  كثيراً,ودردش مع ماركيز ويوسف إدريس ويوسف شاهين,وداعب توفيق الحكيم وأم كلثوم,وتمشي مع عبد الوهاب وسامي السلاموني,واسهر كثيراً مع يحيي الطاهر عبد الله  وأحمد زكي ومارلين  مونرو وفاتن حمامة وصبري موسي وخيري شلبي,وناقش إدوارد سعيد ورجاء النقاش ويحيي حقي واستفهم  من نيوتن ونابليون والاسكندر وأمل دنقل ومحمود درويش,وأنت تعرف بقية الأحباب الذين لا تنتهي أسمائهم حتي نلحق بكم,وبلادنا بعون الله آمنة مستقرة وجيرانها الحزاني المفجوعون في أمان وسلام,فقد رحلت يا صاحبي وعقارب الساعة تنزف حزناً ودماً وقلق,أعرف أنك كنت متألماً لما يحدث من مصائب,متمنياً الخيروالسلامة للجميع كما يليق بصاحب قلب كبير مثلك.
يا صاحبي وداعاً مؤقتاً,وحتي وصول أحبابك تمتع بما عندك من صحبة وبهجة,وكلما أردنا لقائك فعنوانك في قلوبنا,سنفتح أي صفحة ونجالسك...آه يا أحمد؟!أأصبحت ذكري يا صاحبي؟!


الخميس، 25 يناير 2018

الخلاص من الوشم!


يُحيل عنوان رواية"الوشم"لرشا عدلي,لمدلول ظاهري واضح,يغدو علامة علي صاحبه,ومع غلاف الرواية الذي تتجاور فيه الأضداد(الصليب المعقوف ونجمة داوود)علي جسد فتاة يحيط بها هالة من دمار الحرب,يغدو المعني جلياً ويُعرف الكتاب من عنوانه,مع الصفحات نكتشف أن لا شئ في الدنيا يمكن تعريفه من وجهه الظاهري,فكل الشخصيات التي تظن البطلة اليهودية إيفا ضحية التعذيب النازي أنها تعرفها يتضح لها بمرور الزمن أنها لا تري إلا سطحها الظاهر الخادع.
يصعب تلخيص هذه الرواية لأحداث؛لأن مضمونها عاطفي خالص,فتاة مصرية تدين باليهودية ترحل مع أبيها الذي يداعبه أمل الثراء نحو فرنسا,بينما هي وأمها استوطنت فيهما مصر ويهجران منزل العائلة كأنهما تنتزعان جزءً من حياتهما وأحلامهما,بينما الأب والأخ لا يريان سوي وهم الثراء والغني,ثم يحدث في ألمانيا ما حدث ويسطع نجم هتلر وفلسفته النازية المقيتة الغاشمة,لتتحول حياة الأنثي الصغيرة إلي جحيم في بين رجاله ونساؤه المتوحشين الشاذين القساة,وتتحول لهيكل آدمي منزوع الحياة,يكتب لها النجاة وتعود لمصر لتجد لدي جارتهم القديمة ديدمونة-أو ديدو كما تحب منادتها- ملجأً وحناناً يحتويانها بروح صاحبتها الطيبة,علي عكس ما تبدو عليه من غلظة وجفاء,تنضم لمنظمة سرية تقاوم ضد الزحف النازي بقيادة روميل,وعن طريق علاقة عاطفية مع الضابط الألماني كلاوس فون ستافنبرج,الشخصية المحورية في عملية فالكيري التي هدفت لاغتيال هتلر المعروفة تاريخيا بـ"مؤامرة 20يوليو 1944",والذي جسد شخصيته سينمائياً توم كروز في فيلم"فالكيري"عام 2008.
هذا الضابط الألماني يبدو لإيفا في البداية أحد وحوش هتلر النازية التي ربيت لافتراس اللأبرياء وتسخر من وصفه بأنه"رجل أربعيني من عائلة ارستقراطية,درس الفلسفة والتاريخ واللغة اللاتينية كما أنه يعد كاثوليكياً متديناً,ولا يعتبره الكثيرون عسكرياً تقليدياً وذلك لاقتناعه بمبادئ الأديب الألماني جوته التي تدعو لدولة ألمانية قائمة علي المثل والقيلم الأخلاقية تقود العالم بمثل تلك القيم والأخلاقيات",تنجح إيفا في مهمتها لكنها تقع في عشق هذا الضابط الذي خالته عدوها,حيث أنه يعلن كراهيته لهتلر وسياسته وقام بتنفيذ محاولة الاغتيال الشهيرة,للإبقاء علي حياة من لا ذنب لهم إلا أن هتلر يكرههم,ولتخليص ألمانيا من هذا الطاغية القاسي...طوال الرواية تستند رشا عدلي لخلفية تاريخية بحثية,تنهض عليها شخصياتها الروائية,التي تصرخ ضد الحروب والقهر في كل أنحاء العالم.
تأخذ إيفا علي عاتقها الدفاع عن حقوق الإنسان وتطارد مجرمي الحرب بكل قواها النفسية التي صمدت أمام الأهوال,وبوجهها الجميل وجسدها الأنثوي ورأسها الصلعاء من أثر التعذيب!في لوحة تشكيلية تزيد إيماننا بالإنسان ولا تنسي إبراز ندوب الحرب.
في الرواية ملمح يشير إلي الحاضنة الرؤوم,أم الجميع,الحانية علي كل مواطنيها,مصر التي كان فيها الملاذ والحمي,مصر التي لملمت فيها آدميتها في بيت جارتها المصرية اليهودية ديدمونة التي نراها من داخلها حين تسرد قصتها المحزنة,في الوقت الذي كان فيه يهود العالم يئنون تحت وطأة التعذيب والقتل كان يهود مصر أصحاب ثروات ونجوم سينما,ومواطنين عاديين يروضون أيامهم في حارتهم,وتروضهم الأيام كما تروض جميع البشر!
في حمي سعيها لاسترداد حقها كيهودية عانت الويلات,تقام دولة إسرائيل,فتتحول إيفا اليهودية المتحمسة لعدوة لهذه الدولة التي فاقت بأفعالها الشريرة كل ما فعله هتلر ونيرون وستالين  وكاليجولا وكل الطغاة مجتمعين,حيث نصبت هولوكست أقبح وأبشع مما صدعت بها دماغ العالم لعقود وعقود استدراراً للعطف...والأهم للمال والتعويضات!إيفا هنا خرجت من دائرة التصنيف,فهي ليست امرأة وليست مصرية وليست يهودية وليست ضحية...هي إنسانة تري بقلبها وعقلها فتناصره وتشعر بالظلم غليظ الحذاء يدوسها فتصرخ لنفسها ولباقي البشر.
في حالات كثيرة أري مثل"فاقد الشئ لا يعطيه"مثلاً أحمق لا محل له من الحقيقة,كحالة إيفا,فالمطاردة المنبوذة المشردة,عادت من جديد لتمنح المأوي والاستقرار والتأهيل والأمان لكل ضحايا الحرب العالمية,بكل ما فعله قساة القلوب بأطفال بالكاد بدأو المشي وفتيات تحولت حياتهن من غنوة جميلة لكابوس فظيع,وأمهات انهدمت حياتهم وعانوا أبشع ميتة,ورجال وجدوا أنفسهم كالجرذان وسط مخالب لا تعرف الرأفة!
قدرة رشا عدلي علي نقل هذه الرسالة الإنسانية,نضجت إلي حد الإبداع فكانت رواية الوشم,إحدي الأعمال في حديقة الأدب المصري الذي يعاني من المتطفلين والتجار والأدعياء الذين يغطون ببريق الشهرة الكاذب علي أعمال حقيقية,تستحق اسم "رواية",رواية تثير الكثير من الشجن والتفكير وإعادة بناء مفاهيم,مع متعة سردية جذابة,لا تجعل من فعل القراءة عملاً مملاً ولا تجعل منه مجرد قتل للوقت...في الوقت الذي نحتاج فيه كل لحظة,لتأسيس جديد للثقافة المصرية,بعد أن تسلعت وتشيئت وتصدر واجهتها باعة الهراء,بطريقة إعلانية لامعة!
رواية الوشم فرصة للدعوة للخلاص من الوشوم,والنظر بتأن وبلا أحكام مسبقة عموماً,تحت الجلود فيتكشف العدو تحت قناعصديق ويتكشف الصديق تحت عباءة عدو!


الاثنين، 15 يناير 2018

الحدقة العربية


علي إثر يوم قاسِ في حياته المدرسية القاحلة,تعرض فيه للضرب المبرح والإهانة علي الملأ بسبب حبه الحقيقي للعلم وسرحانه في مؤلفات أصيلة سيدونها ومخترعات عجيبة يبتكرها,زاره في منامه ثلاث قناديل أضاءوا ظلان الدنيا عرفهم فور رؤيتهم,ابن سينا علي اليمين وابن الهيثم علي اليسار يتوسطهم البيروني,ينضح من أجسادهم حروف العربية في وتتشكل علي صورة أوراق ومعادلات ونظريات هندسية,حاول الاقتراب متلهفاً نحو نورهم المشع,فاختفوا كلهم وتناثرت حروفهم تحلق حوله, وبقي وحيداً مرة أخري في الظلام,وصوت رصين يرجع صداه في أذنيه"بما ورثته ستصير ما تتمني".
تذكر هذا اليوم وهو منكب علي وجهه في معمله,يضع اللمسة الأخيرة في اختراعه الجديد الذي سيضئ للمكفوفين طريقهم,بعد سنوات ظلوا يعمهون في السواد,يتخبطون في بعضهم فينزفون حيناً ويتشاجرون حيناً وأغلب الوقت يقتلون بعضهم خوفاً وطمعاً...حين تيقظ قرر محاربة الظلام بكل قواه,طلب المدد من أجداده في اللغة,من صاغوا الدنيا بحروف معدودة وشقوا فيها سبيلهم الباقي نوراً يستضاء به في الليالي الدوامس,وما كان أقساها!
أنهك نفسه وسط همسات السخرية "فاليوم ليس يوم علم!اليوم يوم لعب وصخب وزينة,يا عيني ستضيع شبابك,وصيحات التحقير"أتظن نفسك آتِ بما عجز عنه علماء العالم المتقدم,من دانت لهم الطبيعة واستسلمت لسطوتهم الأرض"وقول الزور والازدراء"ما هذا الهراء الذي تقوم به؟!قم وافعل لنفسك شئ مفيد,ألا يكفي أنك لم تحصل علي شهادة,انظر لنا ذوي شهادات وأعمال...لقد تأخرت سأتركك في هذا الذي تفعل,جميل سلِ نفسك ودعنا نقوم بجليل الأعمال.وداعاَ!"إيمانه أن الكل باطل كان طريقه نحو الحق.
ظل اللاعب يلعب وصاحب الشهادة الزور يعبث... في المجلات العلمية الراسخة كانت"الحدقة العربية"تنير دراساتها وأبحاثها,وصورته الهيثم دراسة حول تاريخ علم البصريات عند العرب بجوار ابن الهيثم الذي بدت عيناه ضاحكة بعد هم وتسهيد...

الخميس، 11 يناير 2018

الضفة الأخري


النزوع الصوفي في المطلق إبداع فني شديد الخصوصية,فالسيمفونية الخامسة لبيتهوفن تتلاقي مع أشعار الحلاج وصوت فيروز يتماهي مع صفاء الغزالي وتجليات أم كلثوم تتلاقي مع الطاقة العارمة لنجم الدين كبري,وهكذا في العموم...ربما يعبر عنها لكمة مايكل أنجلو لتمثاله المدهش للنبي موسي حينما انتهي من نحته وهو يتأوه "تكلم يا موسي"!!!
بالتأكيد تأوه اشتعالاً ورغبة في تحقيق ما فوق الواقع,هذا ما يرغب فيه المتصوفة,سعيهم المتواصل لرسم صورة فنية لأفكارهم قوامها الكلمة أو النغم أو اللون,يثبون فوق المعقول ليتركوا العاقل العادي في دوامة مزلزلة,متحيراً في فهم هذا الحس السريالي العجيب في أرواحهم المتألقة المحلقة في ملكوت مفارق للعالم الأرضي المحدود المقولب في قوالب وهمية,لا يتحرر منها إلا من كان له نزوع صوفي يسافر به في عوالم الخيال الرحبة!
"خضنا بحراً وقف الأنبياء علي ساحله"عبارة نسبت للبسطامي عند البعض وابن عربي عن البعض الآخر وأحالها البعض للسان ابن جميل,وهذه مشكلة وردت لأكثر من عبارة في تاريخ التصوف الذي هو جزء من التاريخ العربي المعتمد علي السمع والحفظ ثم لو قيض الله لأحدهم أن يدون,يُخلد في الذاكرة الإنسانية درر عظيمة خالدة,بالطبع مرور الزمان وتقلب القلوب يجعل الارتباك أمر بديهي لأي عمل بشري يضطلع بشأن التدوين,فيحصل الخلط والالتباس,فليس من سمع وسكن كمن جري ودوّن!
يُخيل إلي أن  هذه العبارة قالها البسطامي فهو أحب ذكر البحر كناية عن رحلته الصوفية لعل يتجلي له سر الكون الذي دأب الأفذاذ من الناس علي اكتناهه كلاً بطريقته"غصت في بحر المعارف حتي بلغت بحر محمد صلي الله عليه وسلم,فرأيت بيني وبينه ألف مقام,واقتربت من واحد فاحترقت","الناس بحر عميق والبعد منهم سفينة وقد نصحتك,فاحفظ لنفسك السكينة","كن بحراً لا تنتن","نعم القوم تكلموا من بحر صفاء الأحوال,وأنا أتكلم من بحرصفاء المنة,فتكلموا ممزوجاً,وأكلم صرفاً"
هذا العبارة يمكن تفسيرها بمنتهي البساطة من النظرة السطحية الأولي,فمن يكره التصوف لن يعدم أن ينسب لصاحب هذه العبارة كافة الشناعات التي يمكن أن تخرجه من الملّة,وربما استغفر الله بعد قولها,فها هو البسطامي يعلن أن وصل إلي ما عجزت عنه الأنبياء وخاض ما وقفوا أمامه عاجزين!
ومن يحب التصوف سيتنهد في ارتياح,فها هو البسطامي تحت رعاية أنبياء الله الذين سبقوه للضفة الأخري يخوض بحرهم الوسيع لعله يصل إلي ما وصلوا إليه من معارف ومكارم"آخر نهايات الصديقين,أول أحوال الأنبياء.
وهذه من ألاعيب اللغة العجيبة التي خلقت للصوفية أعداء لا حصر لهم وعشاق لا حصر لهم أيضاً.
المستوي الدلالي لهذه العبارة عندي هو حس إنساني شفيف جداً,يري ما لا يراه الآخرون ويسعي إلي ما رغبوا عنه,صحيح أنه خاض البحر ولكنه لم يصرح بالوصول التام للساحل,فهو إنسان في حالة صراع مع ما يجذبه للدنيا المادية وما يصبو إليه من حياة روحانية وسط دوامات البحر المخيف,إنني أتذكر رواية هيمنجواي"العجوز والبحر"حيث كان البحر كناية عن الواقع الذي يصارع فيه الإنسان هدفه المشاكس الخطير,معرض للأهوال والكوراث,لكنه كما قال الإنسان يمكن هزيمته لكن من المستحيل تدميره,نفس هذا البحر يخوضه البسطامي تحدياً لواقعنا العادي في سبيل ضفة حياتية جديدة,لم يكن جدير بها أي شخص آخر سوي الأنبياء,ضفة بكر نورانية تتلالأ وسط ظلمات البحر وبرودته وملوحته وقسوة رياحه,كل شخص من حقه أن يسعي لهذا البحر,بشرط أن يصفو ليراه ويعمل ليخوض.
تفسيرات كثيرة وردت علي لسان المتأولين بين مدافع ومهاجم,لكنني رأيتها مجردة من كل أمر,سوي أمنية لمفارقة ضفتنا الملوثة بشرور البشر الحاجبة لهم عن نور المطلق,وإشارة لهم أن هناك ضفة بعيدة تستحق المخاطرة والخوض وليكن ما يكون,فالسعي كان العظيم ولن يدفع فيها سوي كل عظيم!