الجمعة، 10 فبراير، 2017

وحش بعيون خضراء


وحش بعيون خضراء 

تكمن في النفس الإنسانية عواطف تعلو بالبشر للسمو منافسة للملائكة في النقاء والجمال,وعواطف تنحط بها لتهوي في مدارك السافلين,ويتردد صداها ناعياً للدنيا فساد الناس وشرور الخلق,لا يمكن الإحاطة أبداً بتلك النفس التي حيرت المفكرون والفلاسفة من الأزل,وهذا من ضمن آلام الإنسان الذي غزا بعقله الكون دارساً وباحثاً عن الحقيقة بالتجربة العلمية والنظرية الفلسفية,وبقيت نفسه عالم مجهول يضطرم بما يجذبه نحو الطين والتراب وما يحدوه ليحلق فوق السحاب سابحاً في الأثير الكوني.
الغيرة واحدة من أهم المشاعر التي تقلق الإنسان وتقض مضجعه,تنشأ في نفسه ويضخمها خياله,فإما يتجه بها-أو بالأحري تتجه به-نحو الطريق الإيجابي طريق العمل والتغيير والعلم والتفكير ليحصل علي ما يتمناه فالنجاح والتقدم يقوم علي التنافس,أو نحو الطريق السلبي للعذاب والندم والسهاد والألم؛ليدمر حياته ويضيع ما يملكه فعلاً في سبيل ما لايمكنه الحصول عليه.
طفولة الغيرة
تنشأ الغيرة عند الطفل في السنوات الأولي من حياته,عن طريق علاقته بأمه فهي التي تتولاه في كافة أموره وترعاه الرعاية الكاملة؛فيظن أنها ملكه,وينسحب هذا الظن من علي الجزء"الأم"للكل "العالم",فيظن أن كل ما حوله تحت تصرفه الخاص وقد يجد في أشقاؤه وأبيه منافسين له علي أمه فتزداد غيرته ويحاول لفت لانتباه بشتي الوسائل كالكذب المفرط أو التبول اللا إرادي أو حتي محاولة إيذاء نفسه بدنياً ليستدر العطف والاهتمام,قبل أن تخضعه الحياة لقوانينها ويتعلم قيم المشاركة واحترام حق الآخرين وتقديمهم علي نفسه لو لزم الأمر,من المشاعر الأولي التي تنبت داخل الطفل...حب التملك
حب التملك...أصل الشرور جميعاً
نوقر المتصوفة ونُجِل حياتهم ونذكرهم باحترام,تقديراً لزهدهم وإعراضهم عما في إيدي غيرهم,فهم يتجهون بقلوبهم نحو الغيبي الميتافيزيقي بينما يتناحر الشقيقان في حياتنا علي متاع الدنيا الزائل,هؤلاء خرج حب التملك من قلوبهم فصفوا وتصوفوا,زال عن نفوسهم أصل الشر في العالم,ومصدر بؤسه فيما نري حولنا اليوم وكما كان يري أجدادنا منذ بدء الحياة,قتال وحروب ودماء لأجل المال والشهوة والتملك,يطالعنا التاريخ بإخوة قتلوا إخوتهم وبآباء قتلوا أبنائهم والعكس...بل بأمهات قتلن فلذات أكبادهن لحبهن التملك والسيادة المطلقة,هذه النماذج وجدت في الأسر الحاكمة والسباق المحموم خلف الستار علي الملك؛فنتج الفساد والانهيار.
والواحد منا في حياته الخاصة العادية لا يعدم أن يجد في قلبه شغف عارم نحو شئ ما أو شخص ما,يحلم بتملكه وأن يصير هو السيد الآمر,ربما قتل الزوج زوجته-في مجتمعنا التعيس...المتدين طبعا!!- لأنها رفضت طاعته في أمر تافه,أي أنها أشعرته أنها ليست ملكه,فينهي حياتها في لحظة ثورة!وقد يختصم الشقيقان طوال عمرهما لأجل الميراث بين ظالم ومظلوم,والميثيولوجيا كافة الثقافات جعلت من الغيرة والحسد والحقد مركز تدور من حوله أحداث رمزية تكشف الكثير عن طبيعة الإنسان.
من رحم حب التملك ومن ضغوظ الحياة التي لا تعطي للإنسان مناه,تولد الغيرة.
1

أغار من نسمة الجنوب علي محياك يا حبيبي
"الست-أحمد رامي"
يتقبل الإنسان في العادة الفروقات الفردية بينه وبين صديق أو قريب وما حبته الطبيعة من مميزات,وما واتته ظروفه من السعادة والارتقاء في سلم المجتمع,سيجد سلواه في الفلسفة أو في بيت شعر أو في الدين طبعاً,قد يعيش وفي قلبه حسرة تزيد أو تنقص علي حسب شخصيته,أو قد تلهيه الحياة تماماً عن ذكراه وتعميه ظروف المعيشة عن رؤيته,لكن حين تتعلق الغيرة بأمور الحب والعشق وتتحول لمرض,فالنهاية عادة ما تكون أليمة ومأساوية والعواقب تغدو وخيمة تصل للقتل والانتحار,بعد أن كانت الحياة تسير بالعاشقين تملأ قلبيهما بالأحلام وتسكر رأسيهما بنشوة الحب ويتمرغ جسداهما في نعيم الجنس الذي يسمو بالحب ويقوي أواصره,علي عكس ما يظن المحرومون والغافلون الذين يصفونه بأوصاف بشعة أقلها"غريزة حيوانية"وما الحيوان إلا الذي يمارسه بلا حب.
الأدب هو علم الحياة؛لذلك يدعي في بعض الأحيان"الكتاب المقدس للعلمانية",فقد حوي روح الإنسان وعقله وكيانه بين قصصه ورواياته وأشعاره,وفي عالم الأدب ليس هناك أشهر من شكسبير الذي من فرط شهرته أصبح غير قابل للتعريف,استطاع هذا المسرحي الفذ أن يجمع في شخصيات مسرحياته تجسيداً للعواطف الأساسية والنزعات الطبيعية عند البشر,وحين تُذكر الغيرة يتداعي للذاكرة بدون وعي أشهر غيور في دنيا الأدب,يطل علينا عطيل الذي دبت الغيرة في قلبه بتدبير من تابعه الأثيم ياجو الذي كان يغار منه فتحولت غيرته لسم سكبه في دم وأعصاب وتفكير عطيل,فكانت ضحية لوثته وخباله بسبب الوهم والانفصال عن الواقع وصم أذنه إلا عن صوت ياجو زوجته الجميلة البريئة ديدمونة,ثم ينتحر بعد أن يكتشف اللعبة التي نسجها حوله ياجو,وإن كان انتحر معنوياً حين سلم عقله له يسكب فيه الأوهام ويغذي خياله بالوساوس,قتل الحبيبان الغيرة"الوحش ذو العيون الخضراء الذي يسخر ممايتغدي من لحم الناس"كما دعاها شكسبير علي لسان ياجو؛يصور الفنان هذه الصورة النابضة عن الغيرة ونفسية الزوج الذي يتملكه الشك ناحية سلوك زوجته الجنسي,ولم يشذ شكسبير حين جعل عطيل يخنق ديدمونة عن قاعدة سلوك معظم الأزواج والزوجات,فعادة ما تكون نهاية"متلازمة عطيل"-كما يصف علم النفس الشعور المرضي بالغيرة-فاجعة لا تختلف كثيراً عن عطيل وزوجته.
في المسرحية يشرح شكسبير تقلبات النفس والتفكير حين يبتلع الوحش ذو العيون الخضراء  سعادة وهناء زوجين,ويحوله لمأساة درامية,وتزيد المأساة حدة بموت أبرياء طيبون,بدهاء الحية الرقطاء الآدمية"ياجو",الكاتب الفرنسي بول بورجيه يعالج مسألة الغيرة بشكلها المرضي اللعين,في قصة" أشباح الغيرة",جورج يحب برت وبرت مخلصة له,لكن هذا لا يمنع الأوهام من اللعب بعقل جورج رغم وعيه باستقامة زوجته,مما يؤثر علي قلبها بسبب الانفعالات القوية عليه من جراء شكوك جورج,يذهب بها لمدينة أخري للعلاج,وهناك تقع زيارة مشئومة من فنان يضطرب لها عقل جورج,وحين يختبرها فيخبرها بوفاته ليري وقع ذلك عليها لا يظهر عليها انفعال العشيقة التي تنبأ بوفاة عشيقها,يتكشف له زيف أوهامه ويعترف لها بما في صدره ويبرر لها سبب حماقته"نعم,إني أحبك بكل قواي بعقلي وروحي جسمي...وهذا هو الباعث علي حماقتي",لا تتحمل وقع الصدمة ويتوقف قلبها عن الخفقان للأبد,لم تحتمل الزوجة الوفية مجرد فكرة شك زوجها في نواياها وسلوكها,وعادة ما يكون شك الرجل ناحية المرأة منصباً علي سلوكها الجنسي,حيث يعتبر جسدها هو ميدان الصراع.

نار الغيرة
في الدماغ البشري يكمن الوجودة ما نراه ونسمعه ونعيشه,هذا المحفوظ داخل الجمجمة العظيمة هو ما يشكل كل وجودنا,سر أسرار التجربة البشرية علي الأرض يكمن فيه,وإن كنا نفصل لفظ القلب للتعبير عن علاقتنا من

الوجود,يخبرنا علم النفس التطوري أن الغيرة لم تكن معروفة عند أسلافنا القدامي,فقد كان الإنسان البدائي يحيا حياة المشاع,فكل شئ ملكية عامة للجميع,حتي النساء,وقد كان الزوج قديماً لا يفضل الزواج من امرأة عذراء لم يمسها أحد,وقد يرجعها لأهلها غاضباً؛لأن معني هذا أنها ليست مرغوبة لدي الرجال!,هذا قبل الملكية,قبل أن تنظم الدولة ويصبح لابد من يقين للأبوة لأجل الميراث,فاقترنت المرأة برجل واحد,وبدأت الغيرة وظهر المجتمع الأبوي الطبقي.

قليل من الغيرة بناء و كثير منها هدام
جورج صاند

الغيرة شعور مغزول في صميم نسيج النفس الإنسانية منذ أن قتل قابيل أخيه في التراث الديني غيرة منه ثم توارثناها,وهذا أمر صحي لو استخدم إيجابياً,أو أمر مرعب ومريع لو تحول لحقد وكراهية وقدرة علي الإيذاء والبطش,لابد للإنسان أن يؤمن بأنه يحمل عقد نقص يسعي علي الدوام لملأ فراغها في نفسه,فليس منا الإنسان الأعلي الذي بشر به نيتشه وصوره برنارد شو,نحن مجرد كائنات ضعيفة,تسعي للحب والسعادة وسط عالم لا يولد فيه شيئأ إلا علي حساب آخر ولا شخص إلا علي حساب آخر,عالم يزداد فظاعة في الفروق الاجتماعية والمادية بين البشر,هناك من يموت بالتخمة ومن يموت من الجوع,والفرد منا لا يستطيع أن يشكل ذاته علي هواه؛لذلك لابد من القليل من الغيرة في كافة العلاقات,فلابد أن نغير من العلماء والمفكرين والمثقفين والفنانين وأصحاب المشاريع الاقتصادية المتفردة,والأفذاذ الذين ملأوا الدنيا علماً وفناً,لابد أن يغير شبابنا الحالي من إيلون ماسك ومارك ركزبيرج ومن غيرهم ممن غيروا الدنيا بعلمهم وتفكيرهم وتصميماتهم التي جعلت الحياة تأخذ منحي مغاير تماماً,بالعلم والتكنولوجيا,لا بد أن نغير من رواد عصر النهضة المصرية,الذين أسسوا للثقافة المصرية الحديثة,ورفعوا عماد العقل المصري,وزينوا الفكر بأبهي الأعمال الثقافية.لابد أن يغير الرجل علي زوجته قليلاً,لتشعر بحرارة حبه واحتياجه لها,وكم هي تشغل باله وتحتل جزء من كيانه.

أما الإفراط فهو الجنون والوسواس بعينه,سنعمي عن كل شئ ونصبح مساقين كالعميان نحو الهاوية,الهاوية التي أطاحت بعطيل وديدمونة المسكينة,مرة أخري عطيل.....عطيل المحب المخبول الذي قضي علي حبيبته وعلي نفسه بسبب وسواس الغيرة,الغيرة المرضية المتوحشة التي تأكل لحم الناس,قراءة سريعة للمسرحية تكشف لنا رسالة شكسبير للجمهور,كأنه يقول"حذار من الغيرة أيها الأزواج,وإياكم أيها الناس عموماً أن تعيشوا علي أوهام وضلالات عقلية لا أساس لها,انظروا لهذين العاشقين البائسين,انظروا كيف كانت جنتهم جميلة وحبهم صادقاً,وكما دخلت الحية جنة آدم وحواء و وسوست لهما,دخلت الغيرة جنة عطيل وديدمونة ووسوست بالشر والهلاك؛لتنفذ إرادة السماء علي الرجل الذي عمي عن الحب في قلب حبيبته ولم يعد يري فيها سوي عاهرة تمنح نفسها للرجال,الغيرة الشيطانية التي حولت الملاك المخلص في نظر الرجل الغيور لشيطانة لعوب يدفئ جسدها الرجال...وحش بعيون خضراء يطلب علي مائدته الحمقي ليتغدي بلحمهم,فأي أحمق منكم سيتبع عطيل"











ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق