الجمعة، 17 فبراير، 2017

رقصة الكون الخالدة


رقصة الكون الخالدة

الحب كالفن كلاهما لا يفسر
طاغور
في كل الثقافات وعلي مر العصور يظل الحب حاضراً في القلب الإنساني علي الدوام,يشقي الكثير ويؤلم أرواحهم,يذيقهم مرة من نعيمه ومرات من مراره,علي مسرحه حدثت أعظم القصص العاطفية التي تلهم الأرواح وتهرب بهم من عالمنا الأرضي لعالم أثيري صاف شفاف,وبسببه ظهرت أعظم الآداب الفنون علي الكرة الأرضية,لا يوجد إنسان لم يجرب الحب أويشعر به يوما ما,فهو موجود معنا منذ وعينا بذواتنا وانتبهنا لوجودنا,وسيظل طالما وجدت المرأة وبجانبها الرجل,وسيظل هذا الانجذاب السحري بين الجنسين سراً خفياً من أسرار الكون اللانهائية.
في دنيا الأساطير العامرة بالإشارات النفسية والفلكية والعلمية,تقول واحدة منها جاءت من بلاد الإغريق أن البشر كانوا في قديماً مخلوقات كروية الشكل,لها رأس واحد لكن فيه وجهين وجسد واحد لكن فيه أربع أياد وأربع أقدام,ويبدو أن الغرور الإنساني فعل فعله في هذا الزمن السحيق,شعر الكائن الكروي بالأفضلية حتي طمع أن يأخذ مكان الآلهة وبدأ في محاربتها,غضب زيوس فشقه نصفين لإضعاف قوته,فسمه لرجل وامرأة,ومن يومها وكل نصف يبحث عن الآخر ليكتمل!لذلك رأي سقراط أن إله الحب يعيش في"دولة الحاجة"حاجة كل نوع للآخر حاجة الاكتمال والعودة من جديد لسيرتنا الأولي,الاثنان في واحد.
ظهرت نظريات وفلسفات وتجارب عديدة لتفسير الحب,لم تفلح وإن اجتهدت وقدمت نتائج قيمة,لكنها ما زالت عاجزة عن تفسير الحب,عجزها عن وصف موسيقي موتسارت وأدب ديستوفيسكي,عجزها عن وصف فيلم عظيم أو قصيدة معبرة؛فقد كان طاغور محقاً بالفعل...لا يمكن,لكن لابد من المحاولة علي كل حال؛هكذا هو الإنسان!

يا إلهي عندما نعشق ماذا يعترينا؟
ما الذي يحدث في داخلنا؟
ما الذي يكسر فينا؟
نزار قباني
علماء المخ والأعصاب وجهوا أنظارنا نحو الهرمونات والتفاعلات الكيميائية والنواقل العصبية,علي أنها سبب بيولوجي للحب,أجل هي سبب حقيقي من أسباب الحب,لكن هل هي ما تخلق الشعور أم الشعور هو ما يفرزها من الدماغ,من الناحية الفلسفية الحب يتعلق بالروح والروح سابقة عن الجسد وخالدة بالنسبة له,لا يطرأ عليها ما يطرأ عليه من تبدل أو تحول,فالشعور تلهم به الروح ثم يأتي الجسد فيفرز هرموناته ونشاطه العصبي ليبدأ العذاب من الناحية الجسدية والروحية أو تبدأ رحلة النعيم في ملكوت الحب.

في الدماغ يبدأ كل شئ
لا أحد يعرف العالم علي حقيقته,وإنما نشكل في أذهاننا صورة عنه من خلال حواسنا,فتصدر علي شكل رسائل مشفرة للمخ البشري العجيب,يترجمها فتتكون عندنا رؤية معينة للعالم علي قدر حواسنا وأدمغتنا,هذا الصندوق العجيب يكمن فيه الكون كله,فقد استطاع الإنسان الصعود للفضاء الكوني والسباحة فيه والتخطيط لمستقبله عليه,لكنه ما يزال حائراً في الغوص داخل أعماق دماغه,الذي يكشف عن ماهية ما يحيط بنا وماهية ما نفكر فيه,وبالنسبة للحب في الدراما البشرية المنسوجة علي مر التاريخ,هنالك دراما أخري أبطالها الهرمونات والتفاعلات الكيميائية والنواقل العصبية,تعطي شرارة البدء وتكتب كلمة النهاية.
كيمياء كيوبيد
التيستوستيرون,الاستروجين,الدوبامين,النورإبينفرين,السيروتونين,الأدرينالين,الأوكسيتوسين,الفاسوبريسين,هؤلاء هم العازفون الأساسيون في الدماغ لعزف سيمفونية الحب,هؤلاء هم المسببون للرجفة والخفقان والتعرق والسهر والأرق,الثقة في المحبوب في العلاقات الزوجية,الأمان العاطفي,تذكر كل تفاصيل العلاقة,البهجة والنشاط والثرثرة علي الهاتف لساعات وساعات,واشتعال الرغبة الجنسية وممارسة الحب الجسدي,هؤلاء هم مشعلو الحرائق في قلوب المحبين,بيولوجياً هذه الهرمونات هي الشبكة التي يقع من خلالها العاشق في في"نار الحب,ودفقة اللهفة النابضة,,نجوي المحبين,السحر الذي يقاوم,الذي يجعل أحكم الرجال مجنوناً"علي حد قول هوميروس...هذا المزيج الكيوبيدي لو أفرزه دماغ شخص سيغدو عاشقاً,هذا ما توصل له العلم,أما لماذا تتوجه مشاعره الرومانسية ناحية شخص ما بالذات فهذا ما يقف أمامه الجميع عاجزين عجزاً تاماً,لماذا اختار روميو جولييت رغم كل ما بين العائلتين من عداء,ولماذا هام عنترة بعبلة,علي الرغم من الفارق الكبير في كل شئ,وهل ما فعلته إيزيس وفاء لزوجها وحبيبها أوزوريس وسهدها وحزنها وبحثها المحموم عنه حتي جري نهر النيل من دموعها,مجرد تفاعلات في المخ,يقول العلماء أنها قد تبقي علي الأكثر لثلاث سنوات,وهل صبر لويز علي أبيلار كل هذه السنين ورغم كل ما كان يجرحها به مجرد تفاعلات!
الكيمياء حقيقة علمية,لكن الشعور الإنساني وكل ما هو معنوي وتجريدي خارج عن مفاهيم العلم التجريبي,فلن ندخل المعمل برجل وامرأة ونخرج منه وقد جعلناهما يعشقان أو يمقتان بعضها!الحب كالحياة يمكننا معرفة أجزاؤه لكن من المستحيل إدراكه كلياً,وفي الفرنسية نجد تشابه بين لفظتي love وla vie
يصف نشيد الإنشاد الحب بان"ومضات نيرانه من شعلة الرب ذاتها",وجاء في الحديث"الأرواح جنود مجندة,ما تعارف منها ا ئتلف وما تنافر منها اختلف"
ما يراه العاشقون
في قصيدة صينية من القرن التاسع بعنوان"حصيرة البامبو"يقول الشاعر:"لا أقدر أن أتحمل/أن أعيدها لمكانها/حصيرة النوم البامبو/تلك الليلة التي أحضرتك فيها للبيت/شاهدتك وأنت تبرميها",مجرد لمسة من يد الحبيبة لحصيرة عادية حولتها لشئ قدسي لا يتمكن العاشق من لمسه,-وربما هذا هو سر الهوس بأدوات وتفاصيل المشاهير حول العالم-الحب والتقديس يجعلاننا نري كل ما يخص المحبوب معجز خارق فوق العادة,وقد كان المنخل اليشكري من فرط غرامه بمحبوبته يظن أن كل ما يخصها ويخصه متحابان"أحبها وتحبني/وتحب ناقتها بعيري",وبسبب بياتريس ورفضها لدانتي اشتعل دانتي وجسد ملحمة الكوميديا الإلهية حتي يتقابل معها في الفردوس بعد رحلة مهولة في الجحيم.
للعشق منطق خاص,ورؤية خاصة لكل شئ,فربما يقع الرجل في غرام امرأة أقل من العادية بالنسبة لغيره,لكنه يراها فوق البشر تعيش مع الآلهة في السماء,وقد تقع المرأة في غرام رجل أقل من العادي لكنها تراه فوق الطبيعة البشرية يتميز بسمات لا يملك غيره من الرجال سواها,فالحب فوق المنطق الحياتي الذي نحيا به.
أيروتيك...الحب شهد ودموع
الجنس هو لغة الحب,فكما يعتبر الحب فناً فالجنس هو الآخر لا يقل عنه,وقد برع العرب والهنود والصينيون في تشريح العلاقة الجسدية ووصفها بدقة,فمنذ أبيات امرؤ القيس عن الحب الحسي بينه وبين محبوبته,حتي ماريو يوسا بارجاس وسلوي النعيمي في أعمالهما الروا ئية القائمة علي الجنس من أهم الدوافع البشرية علي الإطلاق وفي العربية اشتق اسم"البشر"من المباشرة أي النكاح وجاءت لفظة الحياة نفسها من"الحيا"عضو المرأة التناسلي,والحضارات القديمة جعلت طقوس الجنس مقدسة وعبدت المرأة؛لأنها رأت فيها سر الحياة عن طريق الدم والولادة,وكانت الأعضاء الجنسية الذكورية يطاف بها في أعياد اليونان في الأسكندرية.
لا حب كامل بدون جنس,ففي ألف ليلة وليلة وفي التراث العربي المكتظ بالقصص والأشعار الأيروتيكية نجد أحياناً كثيرة أن المحبة لا تقع إلا بعد ممارسة الحب فيشتعل في القلب الغرام,وكل من يظن أن الحب منفصل عن الجنس في ثقافتنا الحالية العجيبة المكبوتة المشوهة,لديه نقص في فهم الحب والغرام,وخاصة أننا ننظر للجسد علي أنه مدنس,وللمرأة علي أنها عورة وفتنة,فظهرت عندنا كل تلك العقد التي ولدت عربدة جنسية كاملة وانتهاك لكل مشاعر الحب وخروج وحش الشهوة من النفوس غير مقيدة بأي رابط عاطفي فتحدث كارثة العنف والتدمير المتمثلة في مجتمع داعش العربيد الذي تسيطر عليه (ذكوراً وإناث)الاستمتاع بالجنس في الدنيا وفي الآخرة تنتظره وجبة دسمة مشبعة من العربدة الصاخبة,هذا هو نتيجة تهميشنا للجنس وعدم العناية به,والحذر من الخوض فيه,حتي انتشر المغفلين الذين يظنونه عيباً وغير لا ئق وكل هذا الهراء الذي شوه المرأة في عيني الرجل والرجل في عيني المرأة.
الأدب الأيروتيكي وفن الأيروتيك عموماً هو ما يقربنا نحو سمو وصفاء الممارسة الجنسية بين المحبين,هو ما يكشف لنا عمق علاقة الأجساد وجمالها وافتتان الذكر بالأنثي والعكس,هو ما يجلو لنا مرآة الحب علي أجسادنا,هو ما نكافحه ونهرب منه ولهذا السبب انتشر الوباء وعم الفكر السقيم وظهرت الشرور.

حب
بين الحاء والباء,عالم كامل نحتاج لأعمار فوق أعمارنا,عالم لا يدخله إلا من عرف نفسه فعرف حبه,فوصل لنعيمه...أو شقاؤه!!ليرقص رقصة الحب الخالدة كما سماه الهنود.








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق