الثلاثاء، 21 فبراير، 2017

الشعر ليس بحوراً

النقد الأدبي عملية إبداع تتوازي مع العمل الفني ذاته,فالناقد الأدبي المجتهد يحاول أن يسير بموازاة النص علي نفس السطر,صحيح أنهما لن يتقاطعا أبداً لكنهما لا يستغنيان عن بعضهما كذلك,فمن خلال هذين الخطين المتوازيين يتمكن القارئ من الاهتداء للمعني.
تُبني النظريات النقدية علي أعمال المبدعين,وتتبلور من خلال أصحاب الرؤي الفنية العميقة,فبدون نص إبداعي لا يوجد جهد نقدي وطبعاً لا يمكننا تصور العكس,فمعني هذا أنه لا توجد نظرية نقدية يمكنها تصب أي نوع من الفنون في قالب معين,لا تتعداه فالروح الفني الرفرافة كالفراشة لا يمكن اصطيادها بشبكة قواعد أدبية قاصرة عن اللحاق برشاقتها وتلقائيتها وطبيعتها المتحررة.
علم العروض نموذج لهذه النظرة الفنية,الذي أسسه العالم الزاهد الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي رضي من الدنيا بالعلم والأدب وأعرض عما سواهما فكان له الغني كله!استطاع استنباط خمسة عشر بحراً للشعر العربي حصره فيها من خلال علمه الذي أوحت له به طرقات مطرقة سمعها في الطريق,فنبهت ذهنه المستعد أصلاً لاستقبال الإلهام,لأوزان وقوافي وموسيقي الشعر العربي.لكن الإبداع يأبي أن ينكمش داخل قمقم القواعد,فتظهر فنون شعرية أخري ملحقة بالبحور الستة عشر بعد أن زادها الأخفش بحراً:
لزوم ما لا يلزم,التفويف,التسميط,الإجازة,التشطير,التخميس,التصريع
ومن الفنون الشعرية المعربة الخارجة علي أوزان وتراكيب البحور:
الموشح,الدوبيت,الزجل,المواليا,والكان كان,والقوما
كل واحدة شرحها من الممكن البحث عنه في الأعمال المختصة في الشعر العربي,ومما سيلفت الانتباه أن "المواليا"الذي شاع علي لسان العامة,فن شعري نشأ من الشعور بالخوف!فبعد نكبة البرامكة أمر الرشيد ألا يرثيهم أحد شعراً,فقالت جارية مخلصة وقد ألهمها حب ساداتها والخوف من هارون الرشيد:
يا دار أين الملوك أين الفرس                          أين الذين حموها بالقنا والترس
قالت تراهم رمم تحت الأراضي الدرس            خفوت بعد الفصاحة ألسنتهم خرس
فعرف هذا التركيب الشعري"بالمواليا"نسبة للجارية التي قالته,ثم اشتهر وتجمل في مصر,وعرف باسم الموال,وظل في مصر يعالج نفس الأمور التي ولد من خلالها,الرثاء والحزن وتقلب الأحوال ونصر الدنيا من لا يستحق وخفضها لمن يستحق,وكل معاني الشجن.
أما عن صحة قصيدة لا بحر لها,فالشعر قد لا تعجبه البحور علي الدوام,هناك أنهار,جداول,بحيرات,وربما لم يكن يحب الماء أصلاً!فيتجه للأزهار والأشجار ولمسة يد حبيبة,أو عطف صوت حنون بشعور صادق,الشعر لا يمكن تحجيره لحساب الخليل وحده!!
في العقود الماضية ظهرت أنواع جديدة من الشعر,واختلف رأي النقاد فمنهم من يعتبرها شعراً,ومنهم من يحشرها في دنيا النثر,كحادثة العقاد مع صلاح عبد الصبور,لكن نجيب سرور كفنان يحصل علي إجابة بسيطة ومباشرة:
"الشعر مش بس شعر لو مقفي وفصيح

الشعر لو هز قلبك وقلبي شعر بصحيح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق