الثلاثاء، 14 فبراير، 2017

سبب الإعجاز

المسائل الدينية عموماً لا تقع في دائرة العلم التجريبي,فكل ما تواجهنا به لا يمكن قياسه منطقياً علي الإطلاق,فلن ندخل معملاً نضع فيه المكونات اللاهوتية السماوية المكونة لكل دين فتخرج لنا نتيجة علي صحة أو زيف أو أي شئ,كلها في النهاية أمور معنوية محلها القلب.
ينظر الفقهاء و المسلمون للقرآن الكريم علي أنه كلام الله عز وجل و كتابه المنزل من السماء وفي بعض النظريات الفلسفية أنه محفوظ في اللوح الإلهي,أي أنهم يخلعون عليه قدسية,وكالعادة يأتي الإيمان ثم يتبعه التفكير في التأسيس لهذا الإيمان,فظهرت نظرية إعجاز القرآن كنتيجة طبيعية,كما ظهرت عند كل دين خوارق وآيات علي صحته,ثم تتصارع وتتناظر لإثبات قوة حجة الآخر,وهذا أمر لا محل له من الإعراب,فلو جئت بملحد فلسفي حقيقي عميق التفكير سكن الإلحاد قلبه واستراح له,وأقنعته بكل حجج الدنيا علي أن الدين كذا هو الصحيح والثابت,لن تفلح,ولو جئت بمؤمن فلسفي حقيقي عميق التفكير سكن التدين قلبه,وأحاولت أقناعه بكل حجج الدنيا أن الإلحاد هو الثابت الصحيح,فلن تفلح "الإيمان ما وقر في القلب".
ينظر الفقهاء علي أن القرآن معجز في بداية ظهور فكرة الإعجاز,بسبب مستواه اللغوي وشكله العجيب الذي لم يكن لهم عهد به,وللروايات في هذا ما يدل علي إعجاب العرب بالقرآن الكريم,وقد كانت صناعتهم الكلام والكلام فقط,فلم تشهد لهم فنون العمارة أو الاكتشافات أو الصناعات أي سبق بل كانت حضارتهم قصائد وأمثال وحكم,هي التعبيرالثقافي عن عقلهم وقلوبهم,كما أنه ينبئهم بأخبار الأمم السالفة ويتنبأ لهم بأخبار الأمم المقبلة,كل هذا في نظم لغوي لم يعرفوا له مثيلاً من قبل.
أمر طبيعي جداً أن يقدس المؤمنون رموز دينهم,والقرآن هو المعبر الأول عن دين الإسلام؛لذلك ليس عجيباً أن يري فيه الناس إعجازاً من الناحية الدينية و البلاغية والفنية,لكن المؤسف أن ينجرف هذا الإعجاز ناحية العلوم وهذا السائد الآن ,ولم يسُد هذا المفهوم إلا في العقود الماضية التي أذلنا فيها الغرب بمنجزاته وعلومه التي كشفت الأوحال الفكرية والكسل العقلي الذي تغرق فيه هذه المنطقة المنكوبة,فنكص المسلمون للخلف يبحثون عما يداوي جراحهم وفشلهم,فوجدوا في القرآن مبتغاهم,يكتشف العالم في الدول المتقدمة نظريته أو يصنع اختراعه بعد صبر وجهد وعمل شاق قد يتتابع عليه أجيال,ثم يأتي رجل في التلفاز وهو جالس في التكييف يشاهده آخر يجلس نفس الجلسة عبر الشاشة,وهو يؤكد أن القرآن وصل لهذه النظرية وأشار لهذا الاختراع قبل 14عشر قرناً,ثم ينتهي البرنامج وقد فاز الرجل بمكسب وشهرة وفاز المشاهد براحة البال وخلو الضمير وزيادة إقناع بعبقريتنا ونبوغنا العظيم!!!وفي الغالب من يرفعون هذه الراية يرفعون معها راية الجهاد والجزية وسلب حق غير المسلم,مدعومين من أصحاب البترودولار,الذين يمولون هؤلاء ليلبسوا الحق بالباطل,ويفسرون الآيات كما تترائي لهم الظروف,فبعد كشف الإعجاز العلمي,ينادون برفع كتاب الله علي جماجم الأبرياء!!
وهذه جريمة في حق المسلمين وإهانة لكتاب لاهوتي بلسان الله,من المفترض أنه ثابت لا يتغير عند المتدينين ولا يجوز ربطه بالعلم الذي يدور كل فترة في فلك براديجم متغير!!
رأي الفقهاء القرآن معجزاً-والمقصود هنا الفقهاء الذين تذوقوه فنياً ولغوياً وأدبياً-بينما يراه المستشرقون والباحثون الأجانب كتاباً عادياً ويوجهون له الطعن والاتهامات,لنفس السبب -مع الفارق- الذي يجعل العاشق يري معشوقته فوق البشر بينما يراهاغيره امرأة عادية لها عيوب كثيرة,أو يضحي الفدائي بنفسه في سبيل وطنه بينما يراها الغازي المحتل حماقة وإهانة لقوته,الحب والتقديس...الحب والتقديس هو ما يجعل من حق كل متدين أن يعظم شعائر دينه,لكن المؤسف أنه قد يستخدم هذا التقديس الذي يشعر به ذريعة لهدم كل ما سواه!" حبك الشئ يعمي ويصم"



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق